فهرس الكتاب

الصفحة 22306 من 27345

ماذا أعددت لها؟ محمد الحبر يوسف*

الإسلام دين يربي أتباعه على الحقائق لا على الأماني والأوهام ، قال تعالى عن أهل الكتاب ( وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) ولما تفاخر المؤمنون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ونحن أحق بالله منكم ، قال المؤمنون نبينا خاتم النبيين وكتابنا يقضي على سائر الكتاب ، كان لابد لهذا النوع من الجدال والمفاخرة أن يحسم فقال الله للجميع ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا. ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأؤلئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا )

والتربية على الحقائق لا تتم في منهج الإسلام بإدراكها فحسب وإنما بإدراكها ثم بإحسان التعامل معها روى البخاري ومسلم- واللفظ لمسلم- عن أنس رضي الله عنه ( أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم متى الساعة ؟ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعددت لها قال حب الله ورسوله قال أنت مع من أحببت ) فها أنت ترى أن الساعة حقيقة من حقائق الوجود وركن من أركان الإيمان والمسلم موقن بأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ، ولكن الاستعداد للقاء الله تعالى بفعل الصالحات وابتدار الطاعات هو آية الإحسان في التعامل مع هذه الحقيقة وهذا ما نبه إليه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم الأعرابي السائل ولفت نظره إلى القضية الأساسية التي يجب أن يهتم لها وأن تستحوذ على تفكيره ومشاعره ( ماذا أعددت لها ؟ )

و من هنا فإن منهج القرآن في عرض الحقائق أنه لا يذكرها بمعزل عن آثارها ومقتضياتها اقرأ قول الله تعالى: ( والسماء بنينها بأييد وإنا لموسعون والأرض فرشنها فنعم الماهدون . ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون. ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين) فالحقيقة التي تعرض لها هذه الآيات الكريمات أن الكون وما فيه من آيات هو من صنع الله الذي أتقن كل شيء ، ولكن هذه الحقيقة لا تعرض إلا مقرونة بالدعوة إلى الإيمان بالله والبراءة من الشرك (ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين ) ذلك لأن التسليم المجرد لحقيقة أن الله هو الخالق الموجد لهذا الكون لا يكفي في النجاة من الهلاك فإن من المشركين من كان يعتقد أن الله خالق هذه الأكوان ولكنهم ما انتفعوا بهذه الحقيقة يوم حجبوا قلوبهم عن الله واستنكفوا عن عبادته ( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون )

ومن الحقائق القرآنية التي أحسب أننا محتاجون إلى إدراكها وإحسان التعامل معها حقيقة أن الله ناصر عباده المؤمنين فقد تكرر ذكر هذه الحقيقة في القرآن مرارا في قوله تعالى (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويقوم يقوم الأشهاد ) وفي قوله (وكان حقا علينا نصر المؤمنين) وقوله (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ) وكثيرا ما نقرأ هذه الآيات ثم نغفل عن القضية الأساسية التي تتصل بهذه الحقيقة القرآنية وهي أخذ النفس بالاستقامة والاستمساك بالحق استيفاء لشروط النصر والتمكين قال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) ولما دعا موسى على فرعون وملئه بالهلاك (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ) قال الله لموسى وهرون (قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون) إن هلاك الكفار المعاندين للرسل والرسالات أمر يجريه الله وفق سنته وليس من واجب المؤمن أن يرهق نفسه في (متى) و ( كيف) ولكن الواجب الذي ينتظره التفكير فيه والعمل له (ماذا عليّ أن أفعل) وهذا ما بينه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى ( فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت