الحَمْدُ لِلَّهِ نحمده ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا ومن سيئات أعمالنا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ، وأشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ? يا أيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها، وَبَثَّ مِنْهُما رِجَالًا كَثِيرًا وَنِساءً، واتَّقُوا اللَّهَ الذي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا? [النساء:1] . ? يا أيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وأَنْتُمْ مُسْلِمُون? [آل عمران: 102] . ?يا أيُّهَا الَّذين آمَنوا اتَّقُوا اللَّه وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أعْمالَكُمْ، ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًَا عَظِيمًا? [الأحزاب:71] .
فإن الغضب خلق من الأخلاق المنافية للصبر ولا سيما الغضب الذي يخرج الإنسان عن طوره وسمته، أو الغضب للباطل وللهوى والشهوة. هذا الغضب رذيلة من الرذائل الخلقية إذا تحكم في نفوس الناس وتمكن من مجتمعاتهم كان له أسوأ الأثر في حياتهم، ونتائج بشعة في تمزيق روابط المودة بينهم ، فالإنسان حين يشتد غضبه و يزداد غيظه, يفقد الرشد والصواب، ويصبح وحشًا ضاربًا لا يدري ما يفعل، يظن أنه بذلك يظهر بمظهر المحترم لنفسه المحافظ على سمعته وكرامته ، والواقع أنه يظهر بمظهر الطائش الأحمق .. إذ يتصرف تصرفات رعناء تفسد عليه حياته ويخسر دنياه وآخرته. لذلك كله جعل الإسلام من صفات المتقين الذين يستحقون رضوان الله عدم الاستسلام للغضب، كما قال الله تعالى في وصفهم?...وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ? [آل عمران: 134] . والغيظ هو أشد الغضب وقد ربى النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته على الأخلاق العظيمة وحذرهم ونهاهم عن الأخلاق السيئة والصفات الذميمة ومنها الغضب.
روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رجلًا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - أوصني، قال:"لا تغضب"فردد مرارًا قال:"لا تغضب".
أيها المؤمنون إن هيجات الغضب كثيرة متدافعة ولا سيما في واقعنا المعاصر المليء بالفتنة والإثارات وإن دفع عوامل الغضب وضبط النفس بطولة لا يستطيعها إلا الأشداء أقوياء الإرادة والإيمان، فليس من السهل إذا اغتاظ الإنسان أن يضبط نفسه ويكظم غيظه، ويكف عن الانتقام ممن أغضبه أو غاظه، ولذلك جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - البطولة في الناس هي ضبط النفس عن الاندفاع بعوامل الغضب.
ففي الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".
وفي صحيح مسلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"ما تعدون الصُرعة فيكم؟"فقالوا: الذي لا تصرعه الرجال، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب".
إن امتلاك النفس عند الغضب بطولة إنسانية فعلًا، تعتمد على العقل وقوة الإيمان والإرادة، أما بطولة المصارعة فهي امتياز جسدي يعتمد على قوة العضلات والتدريب الجسدي.
إننا نسرف في بغضنا وعداوتنا وفي خصوماتنا وتعاملنا، ساءت أخلاقنا وضاقت علينا البلاد فما عادت تسعنا.
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها لكن أخلاق الرجال تضيق
إن النفوس ملئت حقدًا وكراهية وكبرًا وأنانية من الكثير منا إلا من رحم الله. وما ذاك إلا لأن الإيمان بالله والخوف منه جل وعلا قد ضعف أو ذهب من النفوس والقلوب إلا ما شاء الله.
يدفعنا الغيظ والغضب والحمية الجاهلية إلى أمور سيئة قبيحة لا يرض الله عنها ولا رسوله، ولا تتفق مع عقل ولا دين ولنذكر نماذج وأمثلة من هذا الذي نقوله:
فإذا ما تحدثنا عن الأسر وما يحصل فيها من مآسي نتيجة الغضب غير المحمود نجد عجبًا.
أحدهم يأتي منزله فلا يرى الطعام قد جهز لسبب أو لآخر فيقيم الدنيا ولا يقعدها ويملأ البيت صراخًا وعويلًا، وقد تمتد يده إلى زوجته ضربًا واعتداءًا دون مراعاة لأحوالها وظروفها وقد ترد عليه الزوجة معتذرة أو ناقدة فلا يزيده ذلك إلا حماقة وجهالة. وقد يغضب أحدهم على امرأته لأنها ولدت بنات ولم تلد ذكورًا وهذه حماقات وضلالات، وقد يشتد به الغضب ويطلّق امرأته، ويهدم كيان أسرته لسبب تافه لا يستحق ذلك كله، وقد يتجاوز حدود الشرع في طلاقه ولا يلتزم بحدود الله فقد يطلق امرأته ألف طلقة أو مائة ألف فتبين منه ثم يندم حين لا ينفع الندم.
قال ابن عباس - رضي الله عنه - لرجل طلق امرأته عدد نجوم السماء: يكفيك منها هقعة السماء، وهي ثلاث نجوم تشبه الأثافي.