فهرس الكتاب

الصفحة 9477 من 27345

وقد تسهم المرأة كذلك في صب الزيت على النار ببذاءة لسانها وقلة صبرها وكثرة مطالبها ولو اتقينا الله تعالى وتعاملنا بالمعروف لكان الأمر ولكانت الحالة على خلاف ماهي عليه الآن.

ذكر لي بعض الفضلاء بأن رجلًا عَمَرَ له منزلًا جميلًا وأثثه أحسن ما يكون الأثاث جمالًا ورونقًاَ وفي أثناء غيابه قام أحد أبناءه الصغار بالعبث واللعب فقطع عليه بعض الفرش وكسر بعض الأثاث ، فلما جاء ورأى ما حدث جن جنونه وانهال على ولده الصغير ضربًا وركلًا حتى فقد وعيه ثم لما رأى الابن بين يديه جثة هامدة حمله إلى المستشفى باحثًا له عن علاج، ولكن الأمر كان خطيرًا وأدخل الابن العناية المركزة وأصيب بشلل، فجعل الرجل يبكي من حماقته وسرعة غضبه وما أحدثه في منزله وأسرته، ولو تعامل مع الأمر بهدوء واتزان لما حصل كل ذلك.

وترى في علاقاتنا الاجتماعية ومعاملاتنا فيما بيننا أمورًا منكرة يؤججها الغضب والحسد ويذكي أوارها، لقد تقطعت الصِلات وانعدم التعاون والتسامح ونفخ الشيطان في نفوسنا، غضبًا . فهذا جار غضب على جاره وأعلن عليه الحرب ، والحرب أولها كلام بسبب أن ولده ضرب ولده، أو أن خشبة وضعها على جداره أو لدخوله عشر سنتمترات عليه، ونحو ذلك من الأمور التي لو اتقينا الله فيها لحُلت المشاكل بأيسر الأمور وأقل التكاليف لكنا نشكو إلى الله قسوة قلوبنا وجفاف الخير والحب والتسامح من نفوسنا. لقد غدت حياتنا مادية صرفة متأثرين بالحضارة المادية المعاصرة التي لا تجعل للدين ولا للأخلاق والقيم أي مكان في قاموسها. ألاَ من رجعة صادقة إلى ديننا نجد فيه ذاتنا وسعة ديننا في الدنيا والآخرة.

هذه المحاكم التي تضج بالعداوات والخصومات وتضيق الأماكن بالمترددين عليها يوميًا، ما سببها وما قصتها إن الغضب والحمية الجاهلية تدفع بنا إلى المغالبة والفجور في الخصومات واستحلال المحرمات والفساد الكبير في الأرض، بدفع الرشوة وتغيير الأحكام .. حتى ملئت البلاد ظلمًا وجورًا ، ولو اتقينا الله وأمنا بلقائه لكانت الحال غير الحال ولا يغير الله ما بنا إلا إذا غيرنا أمورنا وأحوالنا.

هذه الصراعات الحزبية والانتصار لها بالحق وبالباطل وتهميش الإسلام، ما أسبابها ما حقيقتها إنها غضب وغيظ وانتصار للأهواء والشهوات والمصالح والمنافع والدفاع المستميت عنها، ولكنها تغلف كل هذه بأغلفة كاذبة من الديمقراطيات والحزبيات وغير ذلك من المسميات التي تخفي وراءها ما تخفيه حتى غدت بلادنا ممزقة مفككة ، متناثرة في أهدافها وولاآتها، وكأن تهديد الله للسابقين من أهل سبأ مدويًا ومجلجلًا في أجوائنا حيث قال: ?... فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ... ? [سباء:19] وما ظلمنا الله ولكن نحن الظالمين لأنفسنا، ألا من توبة صادقة ورجوع إلى الله.

إن واجب المؤمن أن يروض نفسه على الصبر وتحمل الأذى وأن يكون بطيء الغضب سريع الفيء والرجوع. وعلى المؤمن أن يكون غضبه لله دفاعًا عن دينه وجهادًا لأعداء الله الذين يكذبون الله ورسوله ويحاربون دينه كما قال تعالى: ?قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ... ? [التوبة:14-15] وهذه كانت حال النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه كان لا ينتقم لنفسه ولكن إذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء، ولم يضرب بيده خادما ولا امرأة إلا أن يجاهد في سبيل الله، خدمه أنس عشر سنين فما قال له أف قط، ولا قال له لشيء فعله، لم فعلت كذا، ولا لشيء لم يفعله ألا فعلت كذا. كان خلقه - صلى الله عليه وسلم - القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه. وكان - صلى الله عليه وسلم - لشدة حيائه لا يواجه أحدًا بما يكره، بل تعرف الكراهية في وجهه. وحين قال له أحد الجفاة في قسمة الغنائم: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، شق عليه - صلى الله عليه وسلم - ، وتغير وجهه وغضب، ولم يزد على أن قال:"قد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر". وكان إذا رأى أو سمع ما يكرهه الله ، غضب لذلك، وقال فيه ولم يسكت، دخل بيت عائشة يومًا فرأى سترًا فيه تصاوير ، فتلون وجهه وهتكه، وقال:"إن من أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يصورون هذه الصور". ولما شُكي إليه الإمام الذي يطيل بالناس صلاته حتى يتأخر بعضهم عن الصلاة معه بسبب ذلك، غضب عليه الصلاة والسلام واشتد غضبه، ووعظ الناس وأمر بالتخفيف.

ولما رأى النخامة في قبلة المسجد ، تغيظ، وحكها وقال:"إن أحدكم إذا كان في الصلاة، فإن الله حيال وجهه فلا يتنخمن حيال وجهه في الصلاة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت