ولما شفع أسامة بن زيد في المخزومية التي سرقت غضب - صلى الله عليه وسلم - من تلك الشفاعات التي تعطل حدود الله وقال:"أتشفع في حد من حدود الله، ثم خطب في الصحابة قائلًا إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".
وكان من دعائه - صلى الله عليه وسلم - سؤاله لربه بقوله:"أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وكلمة الحق في الغضب والرضا".
الخطبة الثانية
أيها المؤمنون: هناك وصفة علاجية أرشد إليها الرسول - صلى الله عليه وسلم - من يغضب وأمره أن يتبعها لتدفع عنه ثورة الغضب وتسكنه:
أولها: أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم عند الغضب، ففي الصحيحين عن سليمان بن صرد قال: استب رجلان عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن جلوس، وأحدهما يسب صاحبه مغضبا قد احمر وجهه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"إني لأعلم كلمة لو قالها ، لذهب عنه ما يجد لو قال:أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقالوا للرجل: ألا تسمع، ما يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: إني لست بمجنون".
ثانيًا: أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من ثار غضبه أن يجلس ويلصق بالأرض وتجميد كل حركة يمكن أن تؤدي إلى آثار سيئة قال - صلى الله عليه وسلم - كما في الترمذي ومسند الإمام أحمد:"ألا إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم، أفما رأيتم إلى حمرة عينيه، وانتفاخ أوداجه، فمن أحس من ذلك شيئًا، فليلزق في الأرض".
وقال في حديث آخر أخرجه الإمام أحمد وأبو داوود"إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع".
ثالثًا: أوصى الرسول - صلى الله عليه وسلم - من اعترته ثورة الغضب بأن يتوضأ والغرض من ذلك تبريد حرارة الغضب ، والانشغال بأمر من أمور العبادة ليصرف النفس عن توترها الغضبي، وانفعالها الناري قال - صلى الله عليه وسلم -:"إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ".
رابعًا: رغّب النبي - صلى الله عليه وسلم - من يغضب إلى أن يصبر ويكتم غيظه ابتغاء مرضاة الله تعالى وحسن جزاءه، فقال:"ما تجرع عبد جرعة أفضل عند الله من جرعة غيظ يكظمها ابتغاء وجه الله عز وجل".
ومما ينبغي أن يدركه الإنسان أن سرعة الانفعال والغضب يؤثر على صحته وحياته وإن من الجنون أن يغضب إنسان لريال فيصاب من الغضب بمرض لا يكفي ماله لعلاجه.
وإن من الأمور التي تمنع من تولد الغضب أن لا يكون الإنسان شديد التطلع ، كثير الأسئلة، أُذنا لكل قائل وناقل والبحث عما يقوله الناس فيه، فيجلب على نفسه بلاءً ويوجد في قلبه أحقادًا وكراهية وغما هو في غنا عنها. وهذا الأمر هام وضروري للقادة والزعماء فليحذروا أشد الحذر من النقلة الأفاكين الذين يلتقطون الكلمة فيزيدون عليها تسعة وتسعين كذبة في تقاريرهم ..
ومن الأدوية النافعة لتطهير النفس من الغضب حسن الاكتفاء في المعيشة والرضا بما قسمه الله، فلا تشغل قلبك همًا أيها المؤمن بما ليس في يدك، وتنسى نعم الله عليك، فإن من يصنع ذلك يعيش في هم ونكد وشقاء وحسد وصدق القائل:
وأتعب خلق الله من بات حاسدًا لمن بات في نعمائه يتقلب
ثم إن مرور الزمن من أنجع الأدوية في سكون الغضب، فإذا نزل بك الغضب وثار ثائره لديك فلا تطاوعه فيما يمليه عليك في الحال، بل تربص، ولا تأت أمرًا من الأمور إلا بعد أن يمر عليه وقت، فإن الإنسان في حال غضبه وانفعاله وثورته لا يقدر على تبصر الصواب وتمييز الرشد. اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت ، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت ، أنت أهل التقوى وأهل المغفرة..
صحيح البخاري باب الحذر من الغضب لقول الله تعالى والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين برقم 5765 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
صحيح البخاري باب الحذر من الغضب لقول الله تعالى والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين برقم 5763 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
صحيح مسلم باب فضل من يملك نفسه ثم الغضب وبأي شيء يذهب الغضب برقم 2608 من عبد الله ابن مسعود.