فهرس الكتاب

الصفحة 17277 من 27345

صداع في رأس الدعوة ...

معتز الخطيب ـ إسلام أون لاين ...

ربما تشكل"الجماعات"الإسلامية"الظاهرة الأكثر تعقيدًا في مسيرة العمل الإسلامي، وبالرغم من أن ثمة جهودًا مبذولة لمناقشتها، فإنها لا تزال عصية على الفهم، ومن ثَم على الحل، الأمر الذي يسوغ إعادة قراءتها من جديد."

وربما يمكننا حصر المواقف من الظاهرة -بحسب المناقشات- في ثلاثة: مَنْ يرى أن هذا التعدد والتجمع"بدعة"، ومن ثَم فهو يأمر باعتزال الكل تمسكًا بالأحاديث الآمرة بلزوم"جماعة المسلمين" (**) ، ومَن يرى أن التعدد الواقع تعدد تنوع وتكامل وليس تضادًّا؛ تبعًا لاختلاف الاجتهاد والأدوار، ومَن يرى ضرورة وحدة"الجماعة"وفق تصوره هو، لنجد أنه يريد حَمْل الناس على جماعته وطريقته!

لكن الملاحظ أن معالجات هذه الظاهرة تبقى محكومة للمنطق الفقهي، بل بعضها يزجّ بالخلاف في ساحة الاعتقاد، لنجد أن المنطق الحاكم لديه هو ثنائية الحق والباطل؛ وفق أصوله وقواعده (هو) ! ما يعني أن ظاهرة"الجماعات"يؤول نقاشها في النتيجة وفق منطق جماعة معينة!

إن معالجتنا هذه تقوم على مقاربة جديدة للمسألة باعتبارها"ظاهرة"يشتبك فيها الشخصي مع الفكري؛ والديني مع الدنيوي، غير أنه لا بد -من وجهة نظري- من تحديد: عن أية جماعات نتحدث؟ وفي أي المجالات؟ الاعتقاد، أم السياسة، أم غير ذلك؟ وربما يكون هذا التحديد أكثر عونًا على بَلْوَرة الظاهرة، والقدرة على الإمساك بأطرافها وتوصيفها في هذه الورقات القليلة.

ولذلك نحن نحصر الحديث في"الجماعات الدعوية"، ونعني بها تلك الجماعات التي تتوجه بخطابها إلى"الجمهور"مستهدفة توصيل رسالتها في إقامة جسر بين مدعو ومدعو إليه، لنستبعد الحديث عن حركات ما يسمّى بـ"الإسلام السياسي"، أو بتعبير أدق: الشق المتعلق بالحكومة وطلب الحكم؛ لأن هذا الشق توصيفه ومشكلاته ستختلف قليلًا، وهو بحاجة لإفراده وحده بالحديث.

والمتأمل في أصول توجه الجماعات الدعوية هذه يرى أنها تختلف في توصيف مشكلة المسلمين -وفق تصورها- ما يجعلها تختلف في ترتيب أولوياتها، والأخذ بالأسباب الموصلة إلى"التمكين"و"صلاح الأمة".

فبعضها يرى الأولوية في تصحيح الاعتقاد -كالجماعات السلفية عامة- وآخرون يرون أن إصلاح النفوس والقلوب وتهذيب السلوك هو الأساس -كالجماعات الصوفية-، وبعض ثالث ينهمك في تدريس العلوم الشرعية من تفسير وفقه، ويعتبر الأمة أحوج إليه من غيره، وآخرون يرون الأولوية في الحديث عن ضرورة"الهجرة"أو ما يسمونه بـ"الخروج"، وحث الناس على إقامة بعض الشعائر، كجماعة الدعوة والتبليغ، هذا فضلًا عمن يرون الإصلاح يبدأ بالدفع بالحل السياسي من أعلى.

هذا الانقسام دفع البعض إلى النظر إليه على أنه نوع من التكامل في معالجة أزمة الأمة، وكلٌّ أخذ بنصيب، ولكن فضلًا عن هذه الرؤى الواحدية التبسيطية التي تختزل الواقع، وتخلِّف حلولًا مبتورة هنا وهناك لا تؤلف كلاًّ في أعيان المدعوين أفرادًا وجماعات، وهو ما يعود على الرؤية"التكاملية"تلك بالنقض، فضلًا عن ذلك كله، إن المتأمل للواقع يجد ثمة خلافات داخل الجماعات ذات الأولوية الواحدة، سلفية كانت أم صوفية أو غير ذلك، إضافة إلى علاقة التناحر القائمة بين جماعات وجماعات أخرى.

هذه العلاقة التناحرية تعود إلى أسباب متعددة، منها ما هو منهجي، ومنها ما هو شخصي. والذي يعنيني أكثر قراءة ما هو شخصي من أسباب العلاقة التناحرية هذه على وجه الإجمال دون تحديد جماعة بعينها.

لكن هذا لن يمنعنا من تأصيل الموقف من التعدد ابتداء، وهو ما يضطرنا إلى الاقتراب من المنطق الفقهي.

تعدد الجماعات كتعدد المذاهب

البعض من الإسلاميين يقف من"التعددية"-سواء على مستوى الأفكار والتصورات أم على مستوى التنظيمات- موقف الرفض والعداء، أو الريبة والشك في مشروعيتها وجدواها. وهذا الرفض -أو هذه الريبة- ينفخ في حالة التناحر القائمة، فالتعددية إقرار بحرية الاجتهاد والاختلاف، ما دام هناك قدر مشترك من الاتفاق حول الأصول العامة ومصادر التشريع الرئيسية، وهذا من شأنه أن يحمل على الاحترام والتنسيق بين الجماعات الدعوية، بل إن التنسيق والاجتماع من شأنه أن يقرِّب الهوَّة بين الجماعات، ومن شأن النقاش والمدارسة أن تقرِّب الكثير من الآراء، وربما تزيل بعض الخلافات الفرعية، وتجبر الخلل القائم لدى كل جماعة، وهنا يمكن تحصيل التكاملية بين الجماعات بتحصيل كل طرف ما عند الآخر مما ينقصه ومن ثَم تبليغه للجمهور.

وإذا كان الاتفاق على الأصول العامة لم يمنع الفقهاء من الاختلاف في فهم النصوص، كلٌّ وفق قواعد مذهبه وطريقته، فما الذي يمنع من اختلاف جماعات العمل الدعوي؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت