فهرس الكتاب

الصفحة 16022 من 27345

رؤية إسلامية لمشكلة التعددية (1/2) د. بسطامي محمد خير*

التعددية في الغرب

لعل فكرة التعددية من أكثر المقولات تداولًا في عالم اليوم؛ إذ نالت شيوعًا وصيتًا في كل مجال من المجالات من علم وفكر ودين إلى اجتماع وثقافة وسياسة واقتصاد، وأصبحت أكثر شعارات العصر الرنانة البراقة المستحسنة، التي يلهج بها كل أحد، ويتزين بها، وباتت دليلًاِ على الانفتاح والسماحة والتمدين.

ومع هذا الشيوع والذيوع لا يماري المختصون بتعريف هذا المصطلح من أنه من الصعب تحديد معنى دقيق أكثر من المعنى اللغوي المتفق عليه، وهو أن التعدد يعني أكثر من الواحد، أما ما وراء هذا المعنى البسيط فإن المصطلح غامض غائم، ويشتمل على معان شتى حسب السياق الذي يرد فيه؛ حتى لقد وصل الأمر ببعض الدارسين إلى القول بأنه ينبغي لنا أن نسلم بتعددية التعددية.

وقبل الاسترسال في بحث الموضوع من المهم التفريق بين أمرين أساسيين.. فمما لا شك فيه أن التعددية وصف لظاهرة مشاهدة محسوسة، ألا وهي التنوع، والتباين، والاختلاف بين البشر في: ألوانهم، وجنسياتهم، وآرائهم، ومعتقداتهم، وقيمهم، وثقافاتهم، وأديانهم، ومناهج حياتهم؛ هذه حقيقة واضحة، جلية، قد لا يتجادل حولها اثنان، لكن التعددية أصبحت اليوم مصطلحًا للمبادئ والمفاهيم التي تتناول أمرًا آخر، ألا وهومنهج التعامل مع ظاهرة التباين والتنوع في حياة الناس؛ فالتعددية بوجهها الأول وصف لظاهرة طبيعية قائمة وواقعة في كل المجتمعات، والتعددية بوجهها الثاني نظرية، وتصور لحقيقة حدود التباين والتنوع، وضوابط الاتفاق والافتراق، وكيفية تنظيم المجتمع على أساس ذلك.

وعلى هذا فإن مصلح التعددية السائد المتداول اليوم يُقصد به تلك التصورات والمناهج المعاصرة لتفسير وتنظيم مشكلة التنوع والتباين في المجتمعات البشرية، وقد نشأت هذه المبادئ والمفاهيم الغربية للتعددية خلال تطور طويل في الغرب، وكانت مرآة لفلسفته ونظرته للحياة في ميادينها المختلفة، ويريد الغرب الآن جعلها أنموذجا يحتذيه العالم كله، بل فرضها في كثير من الأحيان ومع أن استعلاء ثقافة على ثقافة أخرى هو في حد ذاته يناقض مبدأ التعددية التي ينادي الغرب بها إلا أن ازدواج المعايير أمر لا غبار عليه عند القوم في التعامل مع غير بني جنسهم.

ومقصود هذا المقال الموجز التأمل في قضية التعددية الغربية المعاصرة؛ باعتبارها تصورًا ومنهجًا لحل مشكلات التنوع والاختلاف؛ مع محاولة تقديم رؤية إسلامية لها، ومن ثَم تقويمها، وبيان المقبول منها والمرفوض، وسيقتصر المقال على أهم الميادين التي تطرح من خلالها مسألة التعددية؛ إذ الإلمام بأطرافها كلها لا سبيل إليه في هذا المختصر.

تاريخ التعددية في الغرب والإسلام:

قد يكون من المناسب في البداية تقديم ملامح عن تاريخ فكرة التعددية، ونشأتها في الغرب، مع بعض الملامح أيضًا؛ مما يقابل الفكرة في الإسلام.

ترجع أصول التعددية في الغرب إلى بعض الفلسفة اليونانية؛ حيث ظهرت الفكرة لمناهضة فلسفة وحدة الوجود، ونقضها لها، ومضمونها أن الوجود ليس واحدًا، بل متعددًا، وحيث بدأ الغرب يحاول النهوض بإحياء مخلفات التفكير اليوناني بعثت فكرة التعددية الفلسفية من جديد في القرن السابع عشر الميلادي، وظلت حبيسة في الإطار الفلسفي دون أن تجد لها سوقًا نافقًا حتى بداية القرن العشرين، ثم تنامت من جديد على يد المفكرين الإنجليز مثل (وليام جيمس) و (برتراند رسل) اللذين وجدت آراءهما قبولًا فائقًا في مناخ من اليأس السائد بين العلماء آنذاك بسبب إخفاق العلوم التجريبية في حل الكثير من معضلات الكون؛ حتى أعلن أحدهم انتصاره قائلًا: (لقد تكسرت هيمنة الحقيقة المطلقة على أيدينا) .

ومن الفلسفة انتقلت الفكرة إلى ميدان السياسة؛ حيث دعا العلماء في أوروبا وأمريكا - ومن أبرزهم هارولد لاسكي - إلى تحطيم سلطان الدولة المطلق.. وفي الفترة التي تلت انهيار الاستعمار للبلاد الآسيوية والإفريقية ظهرت كثير من النزاعات والحروب الإقليمية والعرقية والدينية بسبب عوامل داخلية ومكائد؛ مما أبرز تفكيرًا جديدًا في العلوم الاجتماعية عن التعددية وتعايش الجنسيات والثقافات والديانات، ثم انتقل داء النزاع والصراع إلى عقر ديار الغرب، وخاصة في عواصمه ومدنه الكبرى؛ إذ هاجرت وهُجِّرت أعداد كبيرة من سكان آسيا وإفريقيا؛ واستوطنت هنالك، ووجدت بين الغربيين سحنات غريبة، وثقافات، وديانات غير مألوفة؛ فكانت التعددية محاولات لحل المعضلات التي نشأت من جراء هذه الهجرات، ولاستيعاب هذا التنوع والتباين في البرامج التعليمية والمؤسسات الاجتماعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت