والعجب من هؤلاء المغتابين الهمَّازين للمجاهدين أنَّهم حين يتكلَّمون عن المخالفين لشرع الله، أو الكفَّار عمومًا حتَّى المحاربين منهم فإنَّك تجدهم يتوقَّون أشدَّ التَّوَقّي للكلمات التي لا تثيرهم عليهم ولا تستفزُّهم؛ ويطالبون الناس بالعدل معهم، وإنصافهم؛ خشية إثارة مشاعرهم بل يجادلون عنهم ، مع أنَّ الله سبحانه يقول:? ولا تكن للخائنين خصيمًا * واستغفر الله إنَّ الله كان غفورًا رحيمًا * ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إنَّ الله لا يحبُّ من كان خوَّانًا أثيمًا? ويقول ـ تعالى ـ محذِّرًا من مغبَّة فعل: ?هاأنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أمَّن يكون عليهم وكيلًا ?.
وفي مقابل ذلك تجد الكلمات التي يقتبسونها من قاموس المجرمين ليطلقوها ويلصقوها بالمجاهدين، وفي حال سماعهم إشاعة عن مجاهد أو اتهامًا له سارعوا بإذاعة ذلك بكل وسيلة ممكنة، وكأنَّ لحومهم مسموح لها التعرُّض بالقيل والقال، فهل هذا عدل وإنصاف؟!
نعم ! إنَّي لا أنكر أنَّه يتوجَّبُ علينا أن نكون متحرِّين لنقاوة الجهاد، وناصحين لإخواننا المجاهدين في كل صقع محتل من أصقاع المسلمين، بألاَّ يصيب جهادهم خللٍ ولا خطأ ولا دخل، ولكن لا يكون ذلك إلاَّ بالأساليب الطيِّبة النافعة، التي لا تستغلُّها الوسائل الإعلاميَّة للقدح فيهم، وتشويه صورتهم.
وقبل الختام:
فقد أجمع علماء الإسلام على حرمة الغيبة والسخرية بالمسلمين، وعدُّوها من كبائر الذنوب، وعلى هذا فإنَّه يجدر بنا أن يكون لدينا دور تجاه الذَّبِّ عن أعراض المجاهدين قدر الإمكان، فإنَّهم قوم خرجوا بأموالهم وأنفسهم لا يبتغون إلاَّ ما عند الله عزَّ وجلَّ من الأجر العظيم، والثواب الجزيل، بل هم حرَّاس الدين وحماته في هذا الزمان وفي كل زمان، فكيف يَليق بنا أن نقدح فيهم وهم الذين كان لهم الدور الكبير في صدِّ عدوان المعتدين؟!
لهذا فإنَّ اللاَّمزين للمجاهدين والقادحين فيهم، لا يقال لهم إلاَّ ما قاله الشاعر العربي الأوَّل:
أقلُّوا عليهم لا أبا لأبيكم من اللوم
أو سدُّوا المكان الذي سدُّوا
لقد وصف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المجاهدين بالخيرية فقال:"خير الناس في الفتنة رجل معتزل في ماله يعبد ربَّه ويؤدي حقه، ورجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله يخيفهم ويخيفونه" [2] ؛ بل جعل رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ من صفات الطائفة المنصورة طائفة مجاهدة في سبيل الله في عدد من الأحاديث النبويَّة ساق الإمام مسلم فيها ثلاثة أحاديث .
ولنتذكر إنجازات المجاهدين الأبرز في تحقيق المناعة للأمَّة ، بمواردها واقتصادها وسيادتها ، وكيف أنَّهم قاموا بمنع أفكار التمدُّد ـ أو تأخيرها على الأقل ـ في الغزو الصهيوصليبي لديار المسلمين وأراضيهم، وعلى سبيل المثال: فنحن لا ننسى كيف كان اليهود يقولون: أرضك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل ، وهم يتمنَّون إقامة أرض إسرائيل الكبرى ، بيد أنَّهم حين رأوا قوَّة المقاومة في فلسطين ، وإضعافهم لقوَّتهم ، بدؤوا يضعون الحواجز والجدار العازل بينهم وبين الفلسطينيين ، وينادون كذلك بأهميَّة تحديد وترسيم حدود إسرائيل ، وهذا لم يتأتَّ إلاَّ بفعل ضربات المقاومة الجهاديَّة في أرض فلسطين .
إنَّها دعوة لنستشعر الأحاديث النبويَّة الواردة في ثواب من ذبَّ عن عرض أخيه المسلم .
وأخيرًا: فإنَّ على المجاهدين أن يكون لديهم رحابة في الصدر لمن ينقد بعض أعمالهم، ولو قسَوْا في ذلك، ولا يكون لديهم حساسية تجاه هذا الأمر، بل يستمعوا لكلِّ ناصح وناقد، ولو اعتدّوْا في نقدهم، فليأخذوا ما وجدوه موافقًا للحقِّ في ذلك، وينتهوا عنه، ويتركوا سخرية المستهزئين، والله الموعد لكلِّ من تربَّص، وكذلك فليحذروا من المخترقين للصفوفهم، أو المتسلِّلين بينها لتشويه صورة جهادهم، فإنَّ ذلك أمر لا تخفى أهميَّته على كلِّ مجاهد. ويوم القيامة ينتظر الجميع وليس عنه مفر، ليحيى من حيَّ عن بيِّنة، ويهلك من هلك عن بيِّنة، وكفى بربِّك هاديًا ونصيرًا، وإذا كانت لحوم العلماء مسمومة، فإنَّ لحوم المجاهدين كذلك مسمومة وإنَّ هذا العصر عصر الجهاد والمقاومة وهو في أعلى مراتب الأولويات !