فهرس الكتاب

الصفحة 11313 من 27345

الهجرة دروس وفوائد 1/2

محمد بن إبراهيم الحمد 1/3/1426

لقد بعث الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بدعوة تملأ القلوب نورًا، وتُشْرِقُ بها العقول رُشدًا، فسابق إلى قبولها رجال عقلاء، ونساء فاضلات، وصبيان لا زالوا على فطرة الله، وبقيت سائرة في شيء من الخفاء، وكفارُ قريش لا يلقون لهم بالًا، حتى أخذ رسول الله- صلى الله عليه وسلم -يقرع بها الأسماع في المجامع، ويحذر من عبادة الأصنام، ويسفِّه أحلام من يعبدونها، فكان ذلك مثيرًا لغيظ المشركين، وحافزًا لهم على مناوأة هذه الدعوة، والصد عن سبيلها، فوجدوا في أيديهم وسيلة، هي أن يفتنوا المؤمنين، ويسوموهم سوء العذاب؛ حتى يعودوا إلى ظلمات الشرك، وحتى يُرْهبوا غيرهم ممن تحدثهم نفوسهم بالدخول في دين القَيِّمة.

أما المسلمون فمنهم من كانت له قوة من نحو عشيرة أو حلفاء يكُفُّوُن عنه كل يد تمتد إليه بأذى.

ومنهم المستضعفون وهؤلاء هم الذين وصلت إليهم أيدي المشركين وبلغوا من تعذيبهم كل مبلغ.

ومن هؤلاء من يناله العذاب من أقرب الناس إليه نسبًا.

ولما رأى رسول الله- صلى الله عليه وسلم - ما يقاسيه أصحابه من البلاء وليس في استطاعته يومئذ حمايتهم أذن لهم في الهجرة للحبشة وقال: (إن بها ملكًا لا يُظلم الناس عنده، فلو خرجتم إليه حتى يجعل الله لكم فرجًا) .

فكان ذلك بداية الهجرة، ثم بعد ذلك بدأت الهجرة للمدينة، حيث هاجر من هاجر من الصحابة، ثم تبعهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم -.

هذا هو سبب الهجرة، أما سبب التأريخ بها، فقد كتب أبو موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب كتابًا يقول فيه: (إنه يأتينا منك كتبٌ ليس لها تاريخ) ، فجمع عمر الناس يستطلع رأيهم فيما يكون به التاريخ، فقال بعضهم: (أرِّخ بالمبعث ) ، وقال بعضهم: ( أرِّخ بالهجرة) .

فقال عمر - رضي الله عنه: (الهجرة فرقت بين الحق والباطل؛ فأرِّخوا بها ) .

وهذه إشارة إلى المزية التي استحقت بها الهجرة أن تكون مبدأ التاريخ العام؛ حيث أقبل الناس بعدها إلى الإسلام جهرة لا يخشون إلا رب العالمين.

الدروس المستفادة من الهجرة

يستفاد من الهجرة الشريفة دروس عظيمة، ويستخلص منها فوائد جمة، ويُلْحظ فيها حكم باهرة، يُفيد منها الأفراد، وتُفيد منها الأمة بعامة، وذلك في شتى مجالات الحياة، ومن تلك الدروس والفوائد والحكم ما يلي:

1-ضرورة الجمع بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب: فالتوكل في لسان الشرع يراد به توجه القلب إلى الله حال العمل، واستمداد المعونة منه، والاعتماد عليه وحده؛ فذلك سر التوكل وحقيقته، والذي يحقق التوكل هو القيام بالأسباب المأمور بها؛ فمن عطلها لم يصحَّ توكله؛ فلم يكن التوكل داعية إلى البطالة أو الإقلال من العمل، بل لقد كان له الأثر العظيم في إقدام عظماء الرجال على جلائل الأعمال التي يسبق إلى ظنونهم أن استطاعتهم وما لديهم من الأعمال الحاضرة يَقْصُران عن إدراكها؛ ذلك أن التوكل من أقوى الأسباب في حصول المراد ودفع المكروه، بل هو أقواها؛ فاعتماد القلب على الله-عز وجل-يستأصل جراثيم اليأس، ويجتث منابت الكسل، ويشد ظهر الأمل الذي يلج به الساعي أغوار البحار العميقة، ويقارع به السباع الضارية في فلواتها.

هذا ولرسول الله-عليه الصلاة والسلام-القِدْحُ المُعلَّى، والنصيب الأوفى من هذا المعنى؛ فلا يُعْرَفُ بَشَرٌ أحق بنصر الله، وأجدر بتأييده من هذا الرسول الذي لاقى في جنب الله ما لاقى، ومع ذلك فإن استحقاق التأييد الأعلى لا يعني التفريط قيد أنملة في استجماع أسبابه وتوفير وسائله.

ومن ثم فإن رسول الله- صلى الله عليه وسلم -أحكم خطة هجرته، وأعد لكل فرض عُدَّتَه، ولم يدع في حسبانه مكانًا للحظوظ العمياء، ثم توكل بعد ذلك على من بيده ملكوت كل شيء.

وكثيرًا ما يرتب الإنسان مقدمات النصر ترتيبًا حسنًا، ثم يجيء عَوْنٌ أعلى يجعل هذا النصر مضاعف الثمار.

ولقد جرت هجرة رسول الله- صلى الله عليه وسلم -من مكة إلى المدينة على هذا الغرار؛ فقد استبقى معه أبا بكر وعليًا-رضي الله عنهما ، وأذن لسائر المؤمنين بتقدمه إلى المدينة، فأما أبو بكر فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال له حين استأذنه؛ ليهاجر: (لا تعجل؛ لعل الله أن يجعل لك صاحبًا) .

وأحس أبو بكر بأن الرسول- صلى الله عليه وسلم -يعني نفسه بهذا الرّد، فابتاع راحلتين، فحبسهما في داره يعلفهما، إعدادًا لذلك الأمر.

أما عليٌ فقد هيّأهُ الرسول- صلى الله عليه وسلم -لدور خاص يؤديه في هذه المغامرة المحفوفة بالأخطار، ألا وهي مبيت علي في مكان النبي- صلى الله عليه وسلم -إذا أراد الخروج إلى المدينة.

ويلاحظ أن النبي- صلى الله عليه وسلم -كتم أسرار مسيره؛ فلم يطلع عليها إلا من لهم صلة ماسة، ولم يتوسع في إطْلاعهم إلا بقدر العمل المنوط بهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت