فهرس الكتاب

الصفحة 11314 من 27345

ثم إنه استأجر خبيرًا بطريق الصحراء؛ ليستعين بخبرته على مغالبة المُطَالِبين، وهو عبد الله بن أُريقط الليثي، وكان هاديًا ماهرًا بالطريق، وكان على دين قومه قريش، فَأَمَّناه على ذلك، وسلَّما إليه راحلتيهما، وواعداه في غار ثور بعد ثلاث. ومع هذه الأسباب لم يتكل عليها النبي- صلى الله عليه وسلم -بل كان قلبه متعلقًا بالله-عزّ وجل-فجاءه التوفيق والمدد والعون من الله.

ويشهد لذلك أنه لما أبقى عليًا - رضي الله عنه - ليبيت في مضجعه، وهمَّ بالخروج من منزله الذي يحيط به المشركون، وتقطعت أسباب النصر الظاهرة، ولم يبق من سبب إلا سنةُ تأييد الله الخفية - أخذ حصيات ورمى بها وجوه المشركين؛ فأدبروا.

وكذلك الحال لما كان في الغار، ففي الصحيحين أن أبا بكر- رضي الله عنه -قال: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن؛ فإن الله معنا ) .

والدرس المستفاد من هذه الناحية هو أن الأمة التي تريد أن تخرج من تيهها، وتنهض من كبوتها لا بُدّ أن تأخذ بأسباب النجاة وعُدَد النهوض، ثم تنطوي قلوبها على سراج من التوكل على الله، وأعظم التوكل على الله، التوكل عليه-عز وجل-في طلب الهداية، وتجريد التوحيد، ومتابعة الرسول، وجهاد أهل الباطل، وحصول ما يحبه الله ويرضاه من الإيمان، واليقين، والعلم، والدعوة؛ فهذا توكل الرسل، وخاصة أتباعهم.

وما اقترن العزم الصحيح بالتوكل على من بيده ملكوت كل شيء إلا كانت العاقبة رشدًا وفلاحًا [فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ] آل عمران: 159.

وما جمع قوم بين الأخذ بالأسباب وقوة التوكل على الله إلا أحرزوا الكفاية لأن يعيشوا أعزة سعداء.

2-ضرورة الإخلاص، والسلامة من الأغراض الشخصية: فالإخلاص روح العظمة، وقطب مدارها، والإخلاص يرفع شأن الأعمال حتى تكون مراقي للفلاح، والإخلاص يجعل في عزم الرجل متانة، فيسير حتى يبلغ الغاية.

ولولا الإخلاص يضعه الله في قلوب زاكيات لحُرم الناس من مشروعات عظيمة تقف دونها عقبات.

ومن مآخذ العبرة في قصة الهجرة أن الداعي إلى الإصلاح متى أوتي حكمة بالغة، وإخلاصًا نقيًَّا، وعزمًا صارمًا هَيَّأَ الله لدعوته بيئة طيّبة فتقبُلها، وزيَّنها في قلوب قوم لم يلبثوا أن يسيروا بها، ويطرقوا بها الآذان، فَتُسِيغها الفطرُ السليمةُ، والعقول التي تقدّر الحُجج الرائعة حق قدرها.

وهكذا كان- صلى الله عليه وسلم -فلم يرد بدعوته إلا الإخلاص لله، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور؛ فكان متجردًا من حظوظ النفس ورغائبها؛ فما كان-صلوات الله وسلامه عليه-خاملًا؛ فيطلب بهذه الدعوة نباهة شأن ووجاهة؛ فإن في شرف أسرته، وبلاغة منطقه، وكرم خلقه ما يكفيه لأن يحرز في قوم الزعامة لو شاء.

وما كان مُقِلًا حريصًا على بسطة العيش؛ فيبغي بهذه الدعوة ثراءً؛ فإن عيشه يوم كان الذهب يصب في مسجده رُكامًا لا يختلف عن عيشه يوم كان يلاقي في سبيل الدعوة أذىً كثيرًا.

ثم إن الهجرة كان دليلًا على الإخلاص والتفاني في سبيل العقيدة؛ فقد فارق المهاجرون وطنهم، ومالهم، وأهليهم، ومعارفهم؛ إجابة لنداء الله ورسوله- صلى الله عليه وسلم -.

وهذا درس عظيم يفيد منه المسلمون فائدة عظمى وهي أن الإخلاص هو السبب الأعظم لنيل المآرب التي تعود على الأفراد والأمة بالخير.

3-الاعتدال حال السراء والضراء: فيوم خرج-عليه الصلاة والسلام-من مكة مكرهًا لم يخنع، ولم يذل، ولم يفقد ثقته بربِّه.

ولما فتح الله عليه ما فتح، وأقر عينه بعز الإسلام، وظهور المسلمين لم يَطِشْ زهوًا، ولم يتعاظم تيهًا؛ فعيشته يوم كان في مكة يلاقي الأذى ويوم أخرج منها كارهًا كعيشته يوم دخل مكة ظافرًا، وكعيشته يوم أظلت رايته البلاد العربية، وأطلَّت على ممالك قيصر ناحية تبوك.

وتواضعه وزهده بعد فتح مكة وغيرها كحاله يوم كان يدعو وحيدًا وسفهاء الأحلام في مكة يضحكون منه، ويسخرون.

كُلًا بلوتُ فلا النعماء تُبطرني *** ولا تَخَشَّعتُ من لأوائها جزعًا

والدرس المستفاد من هذا المعنى واضح جلي؛ إذ الأمة تمر بأحوال ضعف، وأحوال قوة، وأحوال فقر، وأحوال غنى؛ فعليها لزوم الاعتدال في شتى الأحوال؛ فلا تبطرها النعماء، ولا تُقَنِّطها البأساء، وكذلك الحال بالنسبة للأفراد.

4-اليقين بأن العاقبة للتقوى وللمتقين: فالذي ينظر في الهجرة بادئ الرأي يظن أن الدعوة إلى زوال، واضمحلال.

ولكن الهجرة في حقيقتها تعطي درسًا واضحًا في أن العاقبة للتقوى وللمتقين.

فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يعلِّم بسيرته المجاهدَ في سبيل الحق أن يثبت في وجه أشياع الباطل، ولا يَهَنَ في دفاعهم، وتقويم عِوَجِهم، ولا يَهُولُه أن تقبل الأيام عليهم، فيشتدَّ بأسهم، ويُجْلِبوا بخيلهم ورجالهم؛ فقد يكون للباطل جولة، ولأشياعه صولة، أما العاقبة فإنما هي للذين صبروا والذين هم مصلحون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت