فهرس الكتاب

الصفحة 2510 من 27345

أين أنت عندما تنشر الصحف ؟

أخيتي ... الغالية:

عدنا لنكمل رحلتنا سويًا إلى دار القرار، بعد أن توقفنا في المرة السابقة عند مشهد الحساب الذي يتميز فيه الناس إلى ثلاثة أصناف، فمنهم من يدخل الجنة بغير حساب، ومنهم من يحاسب حسابا يسيرا، ومنهم أصحاب الحساب العسير عياذا بالله.

ولأنه سبحانه لا يظلم أحدا، فلابد أن يتم حجته على خلقه، فيرى كل إنسان مغبة ما قدمت يداه في الدنيا بأم عينه يوم القيامة، وهنا يأتي مشهد تطاير الصحف, إنه ذلك المشهد الذي لا يذكر فيه أحد أحدًا، ولا يفكر في خَل خليله.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: ذكرت النار فبكيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [[ ما يبكيك؟] ] قلت: ذكرت النار، فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال[ أما في ثلاثة مواطن، فلا يذكر أحد أحدًا:

عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل، وعند تطاير الصحف حتى يعلم أين يقع كتابه, في يمينه, أم في شماله من وراء ظهره، وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم حتى يجوز ]] [1] .

ولك أخيتي الحبيبة: أن تتخيلي هذه الصحيفة أو هذا الكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فإن كنت أخيتي من أهل السعادة ممن رضي الله عنهم في الدنيا والآخرة، أعطاك الله كتابك بيمينك وأظهر لك في ظاهر الكتاب الحسنات وفي باطنه السيئات.

ثم يأمرك الله أن تبدئي في القراءة، فتقرئين السيئات، فيصفر لونك، ويتغير وجهط، وترتعد فرائصك، فإذا أنهيت قراءة السيئات، وجدت في آخر الكتاب، هذه سيئاتك قد غفرتها لك؛ فيتهلل وجهك، ونسعدين سعادة لا تشقين بعدها أبدًا.

ثم تواصلين القراءة، حتى إذا وصلت إلى آخر الكتاب؛ قرأت الحسنات؛ فازداد وجهك إشراقًا، وازداد فرحًا وسرورًا، وقال لك الملك جل جلاله: انطلقي إلى أخواتك -أي من أهل التوحيد والإيمان- فبشريهم أن لهن مثل ما رأيت، فتنطلقين أيتها الغالية، وكتابك بيمينك، والنور يشرق من وجهك، تقولين لأخواتك المؤمنات: ألا تعرفنني؟! فيقولون: من أنت؟ لقد غمرتك كرامة الله!! فتقولين: أنا فلانة بنت فلان، انظروا هذا كتابي بيميني.

اقرأوا هذا الكتاب معي، شاركوني الفرحة والسعادة، انظروا هذا توحيدي، وهذه صلاتي، وهذه زكاتي، وهذه صدقتي، وهذا حجي، وهذا قيامي لليل، وهذا بري بوالدي، وهذا إحساني للأهل والجيران، وهذا أمري بالمعروف، وهذا نهيي عن المنكر، وهذا بعدي عن الغيبة والنميمة، وهذا بعدى عن ظلم العباد.

وهذا حجابي، وهذا حيائي، وهذه طاعتي لزوجي، وهذه تربيتي لأبنائي في سبيل الله، وهذا، وهذا، وهذا ...

[[فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ [19] إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ [20] فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ [21] فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ [22] قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ [23] كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ]] [الحاقة:24:21] .

أما إن كانت المرأة من أهل الشقاوة، ممن غضب الله عليهم في الدنيا والآخرة، ينادى عليها: أين فلانة بنت فلان؟ هلم إلى العرض على الله جل وعلا، فنتخطى الصفوف؛ لترى نفسها بين يدي الله تعالى، فتعطى كتابها بشمالها، أو من وراء ظهرها.

فتقرأ؛ فيسود وجهها، ثم تكسى من سرابيل القطران، ويقال لها: انطلقي إلى من هم على شاكلتك؛ فبشريهم أن لهم مثل ما رأيت.

فتنطلق في أرض المحشر، وقد اسود وجهها وعلاه الخزي والذل والعار, وكتابها بشمالها أو من وراء ظهرها، فتقول: لمن هم على شاكلتها، ألا تعرفنني؟! فيقولون: لا، إلا أننا نرى ما بك من الخزي والذل فمن أنت؟!!

فتقول: أنا فلانة بنت فلان، وهذا كتابي بشمالي، ولكل واحدة منكم مثل هذا، فلقد شقيت شقاوة لا تسعد بعدها أبدًا، ثم تصرخ بأعلى صوته، وتقول كما حكى الله تعالى لنا:

[[وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ [25] وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ [26] يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ [27] مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ [28] هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ [ 29] خُذُوهُ فَغُلُّوهُ [ 30] ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [ 31] ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ [32] إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ [33] وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [34] فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ [ 35] وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ [36] لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِؤُونَ ]] [الحاقة: 25- 37]

تخيلي أخيتي أنك في هذا المشهد العظيم, ترى من أي الفريقين سوف تكوني؟!ممن تنادى وهو فرحة فخورة [[هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ] ] أم ممن تعض على أصابعها من الندم والخزي والعار، تقول [[يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ] ].

لحظة الحقيقة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت