ثم تأتي بعد ذلك اللحظة الحاسمة، اللحظة التي يدرك الإنسان فيه حقيقة مصيره عند الله جل وعلا، وحقيقة وزنه الفعلي في الدنيا والآخرة.
إنها لحظة تقرير المصير النهائي لكل إنسان، فيعلم فيها أي الفريقين فريقه؟ وأي الدارين داره؟!
والوزن بالقسط فلا ظلم ولا يؤخذ عبد بسوى ما عملا
فبين ناج راجح ميزانه ومسرف أوبقه عدوانه
ففي ختام ذلك اليوم ينصب الميزان، لوزن أعمال العباد، فإنه [ إذا انقضى الحساب؛ كان بعده وزن الأعمال، لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقدير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها، ليكون الجزاء بحسبها ] [2] .
إنه ميزان حقيقي، له كفتان، لكن ليس كموازين الدنيا، يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: [[يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت، فتقول الملائكة: يا رب لمن يزن هذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة: سبحانك، ما عبدناك حق عبادتك ] ] [3] .
وهو ميزان دقيق، لا يزيد ولا ينقص:
[[وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ] ] [الأنبياء: 47] .
فيالها من لحظة رهيبة، تلك التي يعلم الإنسان فيها نهاية مصيره، فإما فلاح دائم، وإما خسران دائم.
قال جل وعلا: [[ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ[101] فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [102] وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [103] تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ]] [المؤمنون: 101 - 104] .
انظري أخيتي إلى دقة عدل الله تعالى، من ثقل ميزانها -ولو بحسنة واحدة- سعدت سعادة لا شقاوة بعدها أبدًا، ومن خف ميزانها -ولو بسيئة واحدة- شقيت شقاوة، لا سعادة بعدها أبدًا.
وكوني حذرة أخيتي، ولا تستهيني بصغار الذنوب ظنًا أنها لا تأثير لها، فربما بكلمة واحدة حرام, أو نظرة واحدة حرام, أو أصغر من ذلك بكثير, يكون سبب في خفة الميزان ثم الشقاوة.
أما من استوت موازينها -أي: استوت حسناتها مع سيئاتها-؛ فهي من أهل الأعراف، الذين قصرت بهم سيئاتهم؛ فلم يدخلوا الجنة، ومنعتهم حسناتهم من أن يدخلوا النار، يحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فإذا التفتوا إلى أهل الجنة سلموا عليهم:
[[سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ] ] [الأعراف: 46]
أي: لم يدخل أهل الأعراف الجنة وهم يرجون رحمة الله، ويطمعون أن يدخلوا دار النعيم، وإذا التفتوا إلى الناحية الأخرى، ورأوا أهل الجحيم؛ تضرعوا إلى الرحمن الرحيم ألا يجعلهم مع القوم الظالمين.
قال جل وعلا: [[وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ [46] وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ]] [الأعراف: 46 - 47] .
فكيف يحتقر أحدنا بعد ذلك حسنة مهما بدت صغيرة، وكيف يتهاون بمعصية مهما بدت صغيرة، فبحسنة واحدة يثقل الميزان، وبسيئة واحدة يخف الميزان, بل بكلمة واحدة قد تنال من الله الرضوان، وبأخرى قد تنال منه السخط والحرمان، كما قال صلى الله عليه وسلم:
[[ إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالًا، يرفعه الله بها في الجنة، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا، فيهوي بها في جهنم ] ] [4] ، ومن ثم فقد قال صلى الله عليه وسلم: [[ اتقوا النار ولو بشق تمرة] ] [5]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
هزة الإيمان: فريد مناع.
[1] صححه الألباني في صحيح الجامع [ 1245] .
[2] التذكرة للقرطبي، ص69.
[3] صححه الألباني.
[4] رواه البخاري كتاب الرقائق، باب حفظ اللسان [6478] .
[5] رواه البخاري كتاب الزكاة، باب اتقوا النار ولو بشق تمرة [1328] .