د.عدنان علي رضا النحوي
إن تغيير ما بالنفس ، كما نصَّت عليه الآية الكريمة في قوله سبحانه وتعالى: [ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ....] ، تغيير يتم داخل النفس البشرية ، من خلال عوامل داخلية في النفس وعوامل خارجية ، تتفاعل كلها على سنن ربانية ثابتة ، ومن هذه السنن الربانية الثابتة أنْ يكون الإنسان نفسه مسؤولًا عن إحداث هذا التغيير ، مكلفًا به ومحاسبًا عليه ، على امتداد معنى كلمة الإنسان وامتداد مستوياته وأحواله .
ولكن هذا التغيير أمامه عقبات وعوائق ، وهذه العقبات والمعوقات اليوم كثيرة وشديدة . إنَّ التغيير ما زال في نفوس المؤمنين أملًا وأمنية . وهو في نفوس بعض الناس يأس واستسلام ، وفي نفوس الآخرين هروب من الواقع إلى كل ما يوفر لهم الخدر والسكر ، إلى المخدرات والخمور واللهو والجنس . ويهرب آخرون على ردود فعل قاسية كارتكاب الجرائم من قتل أو سرقة أو اغتصاب . وآخرون ينحرفون انحرافًا كبيرًا إلى ساحات الكفر الصريح والوثنية المعلنة الفاضحة . ومنهم من جرفته النصرانية بزخارفها ودعايتها وإنفاقها الواسع والتعاون بين مذاهبها ضد الإسلام .
لمعالجة واقع الإنسان في التاريخ السابق ، كان الله يبعث الأنبياء والمرسلين ليحدثوا التغيير أو ينزل الله عقابه في المكذبين ، كما كان مع قوم نوح وعاد وثمود ومدين ولوط وفرعون وغيرهم ، حتى كانت النبوة الخاتمة ، فقامت بأوسع تغيير في الأرض كلها ، في الشعوب كلها ، في الإنسان حين أعادته إلى فطرته السوية وإلى إنسانيته الحقيقية ، إلى الإيمان والتوحيد ، إلى التزام رسالة الله . ثمَّ أصبحت هذه المهمة من مسؤولية الأمة المسلمة في الأرض ، عليها أن تحمل رسالة الله وتلتزمها ، ثم تدعو لها وتبلغها الناس كافَّة وتتعهد الناس عليها ، حتى تكون كلمة الله هي العليا ، فمن أراد أن يصدها عن هذه المهمة العظيمة ، فُرِضَ على الأمة مجاهدتهم في سبيل الله .
إن عدم وجود الأمة المسلمة الواحدة يمثل أكبر عقبة أمام تغيير واقع الإنسان في الأرض ، وإن كل تعطيل لإقامتها دعم لأعداء الله وامتداد للفتنة والفساد في الأرض . وبناء الأمة المسلمة اليوم أمامه عقبات ومعوقات . يمكن أن نقسمها إلى ثلاث مجموعات أو وحدات ، ليسهل تصورها ومعالجتها:
العقبات الخارجية:
امتداد سلطان الغرب ونفوذه الاقتصادي والسياسي ، والفكري والاجتماعي، والعسكري كذلك . فمن الناحية الاقتصادية سيطر النظام الرأسمالي سيطرة واسعة تدعمها طاقات الغرب كلها وشعاراته . والنظام الرأسمالي يقوم كله على قاعدتين حرمهما الإسلام: أكل مال الناس بالباطل ، والربا . ولم يُقِمْ المسلمون نظامًا اقتصاديًا إسلاميًا بديلًا يدعون العالم إليه ، باستثناء إضافة اسم"إسلامي"هنا وهناك .
وغلب التصور السياسي"المصلحي الميكافيلي"في الكرة الأرضية يدعمه الاقتصاد الرأسمالي ويدعم بدوره الاقتصاد الرأسمالي . ويدعم هذا وذاك القوة العسكرية المدمرة . ومن خلال هذه القوى العاملة كلها تسلل الفكر المادي العلماني بمذاهبه المختلفة ، وتغلغل كثيرًا في العالم الإسلامي وسيطر على مواقع كثيرة ، وبناء على هذا كله أخذت المجتمعات الإسلامية تُشَكَّلُ على ضوء العلمانية وتفلتها وإباحتها ، وفرضت فيها التصورات والعادات والعلاقات الغربية فرضًا . وقد ظهر من المسلمين من يحاول أن يوفق بين العلمانية وماديتها ومذاهبها المختلفة وبين الإسلام ، في مجالات لا مجال للتوفيق بينها . وأخذت هذه المحاولات تظهر بصورة علنية يجهر بها أصحابها . فقد أصبح للغرب وعلمانيته ومذاهبها ، وفكره ومذاهبه ، دعاة من المنتسبين إلى الإسلام ، فوفَّروا بذلك جهدًا كبيرًا على الغرب، وأوجدوا عقبات كثيرة أمام نهوض الأمة المسلمة برسالتها . أصبح هناك صدٌّ واضح عن سبيل الله ، وهجمة شرسة على العالم الإسلامي الغافي ! ولكن رحمة الله أوسع ، فما زال هنالك جهود تبذل في سبيل الله !
ومن أخطر مظاهر الزحف العلمانيّ على العالم الإسلامي التعاون الطارئ بين العلمانية النصرانية والعلمانية اليهودية ، التعاون الذي جعل من فلسطين قاعدة لانطلاقه في العالم الإسلامي بكل قواه العسكرية والفكرية والاقتصادية وغيرها ، ولإقامة قواعد متفرقة في أفغانستان والعراق وغيرها يَثِبُ منها من عدوان إلى عدوان !