فهرس الكتاب

الصفحة 8292 من 27345

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله . ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ? [ آل عمران: 102] ? يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ً? [النساء: 1] والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف الأنبياء والمرسلين ، الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فجزاه الله خير ما جازى نبيًا عن أمته . وبعد:

? يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ? [البقرة: 153]

وقال - صلى الله عليه وسلم -: (ما أعطي أحد عطاء خيرًا له وأوسع من الصبر) . ومنزلة الصبر من الإيمان

وبالصبر يتمكن الإنسان بطمأنينة وثبات أن يضع الأشياء في مواضعها ، ويتصرف في الأمور بعقل وروية واتزان،وينفذ ما يريد من تصرف في الزمن المناسب وبالطريقة المناسبة، وإذا عدم الصبر فإن الإنسان يندفع إلى التسرع والعجلة فيضع الأشياء في غير مواضعها، ويتصرف برعونة وطيش.

وللصبر مجالات كثيرة في حياة الإنسان:

فمن الصبر ضبط النفس عن الضجر والجزع عند حلول المصائب والمكاره.

ومن الصبر ضبط النفس عن السأم والملل، لدى القيام بأعمال تتطلب الدأب والمثابرة خلال مدة زمنية مناسبة، قد يراها المستعجل طويلة، وما نهضت الأمم الضعيفة إلا بالصبر والمصابرة وما تفوق المتفوقون في ميادين الحياة العملية والعلمية إلا بالعمل الدؤوب والصبر، وما انتصرت الجيوش في الميادين إلا بتحمل المشاق والمكاره والصبر عليها .. ولقد صدق القائل: لأستسهلن الصعب..

ومن الصبر ضبط النفس عن الغضب والطيش، لدى مثيرات عوامل الغضب في النفس مما يدفع بالإنسان إلى تصرفات طائشة لا حكمة فيها ولا اتزان في الأقوال أو في الأفعال.

ومن الصبر ضبط النفس عن الخوف لدى مثيرات الخوف في النفس، حتى لا يجبن الإنسان في المواضع التي تحسن فيها الشجاعة وتكون خيرًا، ويقع فيها الجبن ويكون شرًا، ومن أمثلة ذلك في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - و أصحابه الكرام رضوان الله عليهم ما حدث في أعقاب غزوة أحد حين رأى المشركون أنهم لم يحققوا شيئًا ذا بال ، أرادوا أن يقودا حملة إعلامية وحربًا نفسية على المؤمنين بقصد تخويفهم والفت من قواهم، حيث بعث قائد المشركين برسالة إعلامية مفادها أن المشركين قد جمعوا قوة ضاربة ليستأصلوا بها النبي والمؤمنين وهول ذلك المنافقون .. فلما بلغ الخبر الرسول والمؤمنين لم تضعف معنوياتهم أو تهن وإنما كان موقفًا إيمانياُ رائعًا ذكره الله في كتابه الكريم وصور لنا ذلك بقوله: ? الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ? [آل عمرآن:173-174] إن انتفاش الباطل وتبجحه لا يزيد المؤمن إلا عزمًا وتصميمًا على الثبات والصبر والجهاد.

إن الشيطان يحاول أن يجعل أولياءه مصدر خوف ورعب ، وأن يخلع عليهم لباس القوة والقدرة، ويوقع في قلوبهم أنهم قوة لا تقهر .. ليحقق بذلك الشر والفساد في الأرض، فتنهار النفوس الضعيفة ويسيطر الباطل فلا يرتفع لهم صوت بالإنكار ، ولا يفكر أحد في مقاومتهم في دفع فسادهم.

ومن الصبر ضبط النفس عن الطمع لدى مثيرات الطمع فيها، حتى لا يندفع الإنسان وراء الطمع في أمر يقبح الطمع فيه من ذلك:

من يكذب كذبة تبلغ الآفاق ليتقاض على كذبه دراهم

وكمن يشهد زورًا أو بهتانًا فيغير الحقائق من أجل حفنة دولارات.

وكمن يتآمر على دينيه وأمن بلاده من أجل منصب رخيص.

ومن الصبر ضبط النفس لتحمل المتاعب والمشقات والآلام الجسدية والنفسية ، كلما كان في هذا التحمل خير عاجل أو آجل.

إن الصبر دليل على قوة الإرادة وكمال العقل والبعد عن الطيش والرعونة، وهو دليل على النضج وتعبير عن الحكمة في معالجة الأمور ومشكلات الحياة. هذا بالإضافة إلى أن الصبر في مستواه الرفيع ثمرة من ثمرات الإيمان بالله والتسليم بقضاءه وقدره، وتدبرُ حكمته سبحانه في تصريف الأمور وامتحان عباده في هذه الحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت