والصبر مع ذلك خلق نفسي عظيم يواجه به المرء الابتلاءات والفتن والمحن في هذه الحياة الدنيا ولذا يقول الله جل وعلا: ? أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ? [آل عمرآن:142] .
وإذا ما تحدثنا عن الصبر عند المصائب وكل ما يجلب الآلام ويورث المتاعب والأكدار. فإننا نجد الإسلام يوجه المؤمنين إلى التسليم والرضا بقضاء الله وقدره، ويبين لهم أن حكمة الله في الابتلاء تقضي بأن يكون الابتلاء بالمكاره والمؤلمات، وأن ما يأتي به القضاء والقدر مما لا كسب للإنسان فيه ولا مسؤولية عليه به، هو خير في حقيقة أمره وإن كان ظاهره مكروهًا وموجعًا، وإن كان في عرف الناس مصيبة من المصائب.
ويبين الله للمؤمنين أن ما يصيبهم من حسنة وخير فمن فضل الله وواسع رحمته وجوده، وما يصيبهم من سيئات فبسبب من أنفسهم ووعد الله الصابرين بالأجر العظيم ، والثواب الجزيل ، إذا صبروا رضاء بقضاء الله وقدره وطاعة له وابتغاء مرضاته: ? الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ ? [البقرة:156-157]
وامتدح الله عباده المؤمنين الذين يعبدونه وحده ويسلمون وجوههم لخالقهم جل وعلا في استسلام وإخبات وخوف وصبر على المصائب المقدرة مع ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة كما قال سبحانه: ? ...فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرْ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِ الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ? [الحج:34-35] .
وأصل الإخبات في اللغة مأخوذ من الخبت وهي الأرض المنخفضة السهلة.
وأخذ لفظ الإخبات وحمل على معنى التواضع والخشوع والطمأنينة .. فمن كان مخبتًا لربه أي: متواضعًا خاشعًا مطمأنًا، كان من صفاته أنه إذا ذكر الله وجل قلبه، وإذا ابتلاه الله بمصيبة صبر على ما ابتلاه الله به، ومن كان مخبتًا لربه كان لابد أن يكون مقيمًا للصلاة المفروضة مؤديًا للزكاة قائمًا بحق الله.
ومما ينبغي أن يعلمه المؤمن أن المصائب مكفرات للذنوب، وحين يعلم أن الله يثيبه ويكفر عنه من ذنوبه وخطاياه بالمصائب التي يصيبه بها، يجد نفسه مندفعًا لتحمل المصائب ، بصبر ورضى عن الله.
ولقد جاءت أحاديث كثيرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تبين ما للمصائب من أثر عظيم في تكفير الذنوب والخطايا نذكر بعضًا منها:
ففي الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن ، ولا أذى ولا غم ، حتى الشوكة يشاكها ، إلا كفر الله بها من خطاياه ..)
وفي الصحيحين أيضًا عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يوعك، فقلت يا رسول الله إنك توعك وعكًا شديدًا، قال:"أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم"، قلت: ذلك أن لك أجرين، قال:"أجل، ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى، شوكة فما فوقها إلا كفر الله بها سيئاته، وحطت عنه ذنوبه كما تحط الشجرة ورقها) ."
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (إن أعظم الجزاء مع عظمة البلاء، وأن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط) .
وفي الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة) .
وفي مسند الإمام أحمد والبيهقي في شعب الإيمان عن الحسين بن علي رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها، فيحدث لذلك استرجاعًا إلا وجد الله تبارك وتعالى له عند ذلك ، فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب بها) .
فقانون الصبر على المصائب والآلام التي تنزل بالمسلم يرجع إلى عنصرين - تكفير الخطايا والسيئات والثاني: منح الأجر عليها، وهذا من فضل الله وكرمه ورحمته بعباده.
وحين يعلم المؤمن أن صبره على المصائب والآلام مكفر لسيئاته، ورافع لدرجاته، وأنه يحدث له مع كل شعور بألم أجر عند الله تعالى، يناله ثوابًا عظيمًا وكرامة عنده في دار الجزاء. فإنه يصبر ويتحمل ويحتسب الأجر عند الله فلا يضجر ولا يتمنى نزول الموت تخلصًا من المصائب وهربًا من الحياة وفرارًا من مسؤولية الابتلاء، لكنه يرى أن طول أجله فرصة له ليزيد من الخير والحسنات إن كان من المحسنين أو يتوب ويصلح ويصحح مساره إن كان من المسيئين المقصرين في جنب الله.