فهرس الكتاب

الصفحة 25124 من 27345

هل للفكر الإسلامي خصائص ذاتية متميزة تفرق بين دين الفكر البشري وتحول بينه وبين الانصهار في العالمية والأممية ؟

إن كثيرًا مما يكتبه الباحثون في شئون الفكر والفلسفة والعلوم يحاول أن يصل إلى مسلمة تقول بأن الفكر الإسلامي هو أحد أطراف الفكر العالمي الذي تشكل في إطار الفكر اليوناني القديم والذي يسبح الآن في إطار الفكر الغربي العالمي وهذه المسلمة مرفوضة، وإن كان دعاة التغريب يرددونها ويكررونها حتى يثبتوها في الأذهان وهي في الحقيقة ليست صحيحة مطلقًا، بل وليس لها أي وجه من وجوه احتمال الصحة. وهي في غايتها محاولة للتآمر على الفكر الإسلامي وإخراجه من إطاره الخاص وطابعه المميز. ولقد يذهب البعض في التعليل الزائف والتحليل الباطل إلى القول بأن الفكر الإسلامي تأثر أو تشكل في ضوء أو في إطار الفكر اليوناني القديم (أو الفكر البشري كله هنديًا وفارسيًا وفرعونيًا وبابليًا) ، وهو الآن في نهضته الحديثة لا ضير أن يستمد من ثمرات الفكر الغربي الذي هو وليد الفكر اليوناني القديم.

وهذا القول مرفوض قطعًا، وقد كشف زيفه -عندما استعلن لأول مرة على لسان الدكتور طه حسين وقلمه- عشرات من الكتاب والباحثين.

والواقع أن"الفكر الإسلامي"هو وليد القرآن الكريم والسنة المطهرة، وأن هذا المنهج الرباني قد جاء للإسلام في صورته النهائية والكاملة والباقية بقاء البشر معلنًا كلمة الله التي ألقاها إلى أنبيائه ورسله منذ بدأت رحلة النبوة والوحي بين السماء والأرض إلى أن توقفت بخاتم الرسل والرسالات والكتب.

ومن هنا فإن الإسلام جاء بالحقائق التي أرسل الله بها رسله وأنبياءه إلى الأمم، هذه الحقائق التي حرفت وغيرت وبدلت وتأولها المفسرون على النحو الذي نقلها من إطار الفكر الرباني الخالص المجرد المبرأ من كل شئ إلى الفكر البشري القائم على الهوى والمطمع والغايات الخاصة والمنحرف عن الأصل الحقيقي.

جاء الإسلام لتقرير الحقائق الربانية الأصيلة في مواجهة الفكر المختلط، الذي كان ربانيًا في أصله ثم شابته زيوف وإضافات وحذوف، ومن هنا فإن الفكر الإسلامي مستمدًا من الإسلام نفسه يجب أن تكون له خصائص ذاتية مميزة تفرق بينه وبين دين الفكر البشري، وحتى تظل البشرية سائرة في ضوء الهدي؛ لأنه لا بد أن يظل قادرًا على رد كل زيف أو تحريف، وإن يكن ممتنعًا عن الانصهار في الفكر البشري أو محتوى منه أو داخلًا فيه.

وذلك لأنه هو في جوهره وأصوله القرآنية الأصيلة هو الشاهد والمهيمن على اضطراب الفكر البشري وزيف التغيرات والإضافات التي أصابته على مدى الأزمان والعصور.

ومن هنا فإننا نجد الفكر الإسلامي يعارض الجمود والتعصب والتقليد ويعارض كل ما يصادم قوانين الكون ونواميس الوجود ويرى أن كل شئ يبدأ من نقطة ثابتة وينتهي إليها"الحركة في إطار الثبات"وأن كل شئ يبدأ صغيرًا ثم ينمو حتى يكتمل ثم يعود مرة أخرى في دورة جديدة، وهناك ارتباط جذري بين الفكر الإسلامي واللغة العربية؛ ذلك لأن كل لغة لها منهجها القائم على معانيها ومضامينها، ولقد هاجم المسلمون المنهج الأرسطي؛ لأنه مستند إلى خصائص اللغة اليونانية التي تخالف اللغة العربية وكذلك الأمر بالنسبة للمنهج الغربي.

(2) والفكر الإسلامي لا يعمل إلا ضمن النطاق الذي رسمه القرآن وحدده، ويحكم على كل ما يواجه المسلمين في ضوء القرآن نفسه ولا يحكمون منه منهجًا آخر، وهو في نفس الوقت متفتح على الثقافات العالمية يأخذ منها ويترك، وهو لا يأخذ إلا ما ينفعه ويتفق مع طوابعه وما يزيده قوة، وكل ما يأخذه يصهره صهرًا تامًا في بوتقته، ولقد حرر الإسلام أتباعه من التأثير الأجنبي بكل أنواعه ودعا إلى اليقظة إزاء محاولة تغيير المعالم الأصلية لعقيدتهم وفكرهم وثقافتهم ومزاجهم النفسي.

ويعتبر المسلمون أن كل ما يقدمه الفكر العالمي هو مادة خام يأخذون منها ويدعون دون أن يكون مفروضًا عليهم.

ويؤمن الفكر الإسلامي بأن كل نظرية أو مذهب قام في مجتمع ما، فإنما أقامها أهلها على مقياس مجتمعهم وفي ظل تحدياته الواقعية والتاريخية معًا، فهي استجابة لظروف البيئة، ولذلك فهي سرعان ما تبدو مع مرور الزمن عاجزة عن تحقيق الهدف فيضاف إليها ويحذف منها، ولذلك فإن نقلها إلى بيئات أخرى عسير لأنها تعجز عن الحياة والنماء.

ولقد كان الفكر الإسلامي دائمًا متفتحًا لثمرات الفكر البشري ولكنه كان قادرًا حتى في أشد مراحل الضعف والتخلف على المحافظة على ذاتيته والحيلولة دون انصهاره في الفكر الأممي.

وقد رفض الفكر الإسلامي الفلسفة اليونانية واستعلاء الاعتزال وجبرية التصوف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت