د. وليد الرشودي 29/10/1424
لا يشك عاقل في مدى حاجة الأمة المسلمة اليوم إلى الإصلاح الشامل في جميع جوانبه السياسية والاقتصادية والسلوكية -وقبلها الشرعية-؛ بإرجاعها إلى معينها ومنبعها الصافي الأول الذي لا كدر فيه ولا شائبة: الكتاب والسنة، عملًا بقوله صلى الله عليه وسلم:"تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا ..كتاب الله وسنتي"، وعملًا بوصفه عليه الصلاة والسلام للطائفة المنصورة والفرقة الناجية"من كانت على مثل ما أنا عليه وأصحابي"؛ فالمراجعات وطرق سبل البحث عن الخيرية هو منهج الإسلام في عدم الوقوف على رأي يراه العبد دون التمحيص أو التدقيق أو البحث عن فهم صحيح للخبر المعصوم؛ بل إن الوقوف -بل الجمود- عليه هو ما ذمه أهل العلم والمسمى بالتعصب للقول وعدم قبول الرجوع عنه لما هو أقوى منه حجة أو أظهر بيّنة أو فهمًا.
فمن هنا أسطِّر هذه الأسطر توضيحًا للحق الذي رأيته في هذه الحقبة المريرة من زمن الأمة الشريفة، لقد تعالت أصوات المصلحين لتدارك الوضع قبل أن ينفلت زمامه على كافة الأصعدة، فعلت أصوات النذارة ونظروا في النصوص فصاحوا بنصوص البشارة إذا تداركت الأمة أحوالها، فحُذّر من الكافر وموالاته أو المظاهرة له ونصحوا للأمة في أخلاقها واقتصادها وسائر شؤونها عملًا بالمنهج الشرعي المتكامل في شموله (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) ، وقوله: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) ، فصدقوا ونصحوا وبروا وأخلصوا للأمة؛ فأعلى الله شأنهم وكتب قبولهم في الأرض تحقيقًا لدعوتهم ربهم (واجعلنا للمتقين إمامًا) .
قال مجاهد: اجعلنا مؤتمين بالمتقين مقتدين بهم.
قال ابن القيم: وهذا من تمام فهم مجاهد رحمه الله، فإنه لا يكون الرجل إمامًا للمتقين حتى يأتم بالمتقين فنبه مجاهد على هذا الوجه الذي ينالون به هذا المطلوب وهو اقتداؤهم بالسلف المتقين من قبلهم؛ فيجعلهم الله أئمة للمتقين من بعدهم، وهذا من أحسن الفهم في القرآن وألطفه، ليس من باب القلب في شيء، فمن ائتم بأهل السنة قبله ائتم به من بعده ومن معه، إلى أن قال رحمه الله:"إن المتقين كلهم على طريق واحد، ومعبودهم واحد، وأتباع كتاب واحد، ونبي واحد، وعبيد رب واحد..؛ فدينهم واحد، ونبيهم واحد، وكتابهم واحد، ومعبودهم واحد؛ فكأنهم كلهم إمام واحد لمن بعدهم، ليسوا كالأئمة المختلفين الذين قد اختلفت طرائقهم ومذاهبهم وعقائدهم، فالائتمام إنما هو بما هم عليه وهو شيء واحد وهو الإمام في الحقيقة".
ولم تكن لهم الإمامة بالدين هكذا تخرصًا أو دعوى بل هو بتوفر شروطه ومقوماته كما في النهج الرباني (يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) فهدايتهم للخلق على وفق منهج الخالق وشرعته وصبروا على ذلك وأيقنوا بما هم عليه من الحق مع استصحابهم لأمرين: الصبر الذي يحرق فتن الشهوات، واليقين الذي يحرق فتن الشبهات. فكانت لهم الإمامة في الدين، فهم نهج واحد وبوتقة واحدة منذ بدايتهم بإرسال سيدهم محمد -صلى الله عليه وسلم- وأتباعه من العشرة المبشرين والصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان مثل: عمر بن عبد العزيز، وسعيد، ومجاهد، وابن سيرين، وأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، والثوري، والبخاري، والنووي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن رجب، وابن مفلح، وابن حجر، وابن عبد الوهاب، والصنعاني، والشوكاني، وصديق حسن خان، وابن إبراهيم، وابن حميد، وابن باز، والألباني، والعثيمين، ومن سار على نهجهم وسلك منهجهم، فنصحوا للأمة وعرفوا حق راعيها والرعية دون تفريط أو إجحاف، فكانوا كالشامة البيضاء وهم جبين الأمة الناصع الساطع ومع هذا وقف لهم من وقف في طريقهم واتهم نياتهم وشكك في سبيلهم وهذه سنة مطردة هي سنة الابتلاء سواء الحسي أو المعنوي.. اتهام بالباطل ورمي بما هم منه براء، وهي سنة فرعونية يتصورها كل من يعادي سبيل الأنبياء، فتأمل سورة الأعراف لترى كيف اتهم فرعون إيمان السحرة بموسى وتأييدهم له بأنهم ما أرادوا بذلك وجه الله وإنما أرادوا الحكم أو المصلحة الذاتية أو النفوذ الشخصي؛ فاسمع لقوله حينما يقول: (قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) وقال عن الرسول الكليم عليه الصلاة والسلام: (إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) .
إنها التهمة الدائمة لكل مصلح إلى قيام الساعة مع يقين من رمى بها أن المصلح براء منها كل البراءة بل أشد من براءة الذئب من دم يوسف؛ لأن هدفهم هو إصلاح العباد وتعبيدهم لرب العباد، فلماذا كل هذا على المصلحين وأتباعهم؟!.