فهرس الكتاب

الصفحة 23529 من 27345

أ.د/محمد أديب الصالح

رئيس تحرير مجلة حضارة الإسلام

ـ 1 ـ

هو واحد من الربانيين الذين شهد لهم كبار الرجال بعلو الكعب في عبادة الله والإخلاص في طاعته ، وقد بلغ من صدقه وعظيم استقامته أنك ترى في كلامه ومواعظه فيضًا من إرث النبوة ، وروحًا من روح القرآن الكريم . قال الأوزاعي رحمه الله:

كان بلال بن سعد من العبادة على شيء لم نسمع أحدًا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم كان عليه .

وفي شأن بليغ قوله في النفوس وأثر مواعظه في القلوب يقول الأوزاعي أيضًا:

(سمعت بلال بن سعد ، ولم أسمع واعظًا أبلغ منه) .

أما عبد الله بن المبارك فيقول:

(كان محل بلال بن سعد بالشام ومصر كمحل الحسن بن أبي الحسن بالبصرة) .

وشأن الربانيين أن يكون عملهم ترجمان علمهم ، حدث الأوزاعي قال:

(هلك ابن بلال بالقسطنطينية ، فجاء رجل يدعي عليه بضعة وعشرين دينارًا ، فقال له بلال: ألك بينة ؟ قال: لا ، قال: كتاب ؟ قال: لا ، قال: فتحلف ؟ قال: نعم ، قال: فدخل منزله فأعطاه الدنانير وقال: إن كنت صادقًا فقد أديت عن ابني ، وإن كنت كاذبًا فهي عليك صدقة) .

وجاء في واحدة من مواعظه التي هي أشبه بجوامع الكلم قوله الصائب:

(لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى من عصيت؟) .

وفي كلمات يذكر بها الغافلين ، ويوقظ من ألهتهم الدنيا بمتاعها وشهواتها قال فيما روى عنه عثمان بن مسلم:

(رب مسرور مغبون ، ورب مغبون لا يشعر، فويل لمن له الويل ولا يشعر، يأكل ويشرب ، ويضحك ويلعب ، وقد حق عليه في قضاء الله أنه من أهل النار.. فيا ويلًا لك روحًا ، ويا ويلًا لك جسدًا ، فلتبك ، وليبك عليك البواكي طول الأبد) .

ويتبدى حرصه ـ رحمه الله ـ على رد الجانحين إلى الطريق ، حين يذكر بسعة رحمة الله وكريم عفوه وحلمه وتقبله عن عباده التائبين فيقول:

(إن لكم ربًا ليس إلى عقاب أحدكم بسريع ، يقيل العثرة ، ويقبل التوبة ، ويقبل من المقبل ، ويعطف على المدبر) .

رحم الله بلال بن سعد وأسكنه الفردوس الأعلى في جنة الخلد يوم الدين .

ـ 2 ـ

ها نحن نتابع الرحلة مع بلال بن سعد وفاءً بما وعدنا في العدد الماضي لعل في ذلك ذكرى لمتذكر، فإن ما كان عليه هؤلاء الرجال صورة صادقة لما كانوا يدعون إليه من العمل بالعلم والزهادة في الدنيا والجهاد في سبيل الله وأن لا يخاف المؤمن في الله لومة لائم .

ها إن هذا الرجل يحدد لنا ـ كما روى عنه الأوزاعي ـ مفهوم الذكر فيجعله على نوعين: ذكر باللسان ، وأن يذكر الله عندما أحل وما حرم فيأخذ الحلال ويجتنب الحرام ،وذلك قوله:

(الذكر ذكران ؛ ذكر باللسان حسن جميل ، وذكر الله عندما أحل وحرم أفضل) .

ولو تنبه -لهذا- العامة من المسلمين لكانوا على خير كبير.

ومن هو الأخ الحقيقي عند بلال بن سعد ؟ قال الأوزاعي: سمعت بلال بن سعد يقول:

(أخ لك كلما لقيك ذكرك بحظك من الله خير لك من أخ كلما لقيك وضع في كفك دينارًا)

وتلك هي مقاييس أهل الإيمان !!

ولا تسأل عن صادق معرفته بربه عز وجل ، وحسن ظنه بجميل كرمه سبحانه يقول الأوزاعي رحمه الله:

(خرج الناس يستسقون وفيهم بلال بن سعد ، فقال: أيها الناس ألستم تقرون بالإساءة ؟

قالوا: نعم .

قال: اللهم إنك قلت: [ما على المحسنين من سبيل] وكل يقر لك بالإساءة فاغفر لنا واسقنا ،

قال: فسقوا)

ألا إنه ليس كثيرًا على كرم الله سبحانه أن يجيب دعوة هذا الرجل الصادق الذي كانت دموعه الخاشعة بريد نجواه ، ومخافة الله ينبوع توجهه إلى مولاه:

[وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ..]

وليكون هناك عباد حقيقيون .. لابد من العبودية الحقة ...

وفي دعوة إلى إنصاف المظلوم ورحمة الضعيف ، والترهيب من تجاوز هذه الحدود يقول أجزل الله مثوبته:

(أيها الناس اتقوا الله فيمن لا ناصر له إلا الله) .

وعلى صعيد الخشية من الله ونفاذ البصيرة في حقيقة عمل العبد بجانب رحمة الله ووافر نعمه على خلقه ، يقول الأوزاعي:

(ربما سمعت بلالًا يقول: لكأنا قوم لا يعقلون ، ولكأنا قوم لا يوقنون) .

وحين ينظر هؤلاء الرجال في شيء من كتاب الله تجد في نظرهم وتفسيرهم شمول الرؤية والتصور الكامل لمعاني الآيات الكريمة مجتمعة ، وهذا من أهم الأمور التي تعوز الناظر في كتاب الله مفسرًا مستنبطًا لمعانيه .

روى عبد الله بن المبارك عن الأوزاعي عن بلال بن سعد في قوله تعالى: [ولو ترى إذ وقفوا فلا فوت] قال: ذلك قوله تعالى: [يقول الإنسان يومئذ أين المفر] . وإنها للفتة تجمع بين أداة المفسر وإحساس صاحب البصيرة ..

هكذا يقف هؤلاء الربانيون من أمثال بلال بن سعد على المحجة التي ترك سيد الأنبياء أمته عليها ، فتراهم في قالهم وحالهم ، معادن خير في الانتصار على النفس ، وحسن الأحدوثة لما أنهم ـ بعد الإيمان ـ في تقوى الله ـ فرضي الله عنهم وأعلى مقامهم في الآخرين .

ـ 3 ـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت