في فهم للأدب النبوي والأخلاق المحمدية التي يفترض بالمؤمن أن يطوع نفسه لتعيش في ظلها ، وتهتدي بنورها حدث الأوزاعي قال: سمعت بلال بن سعد يقول:
(إذا رأيت الرجل لجوجًا مماريًا معجبًا برأيه فقد تمت خسارته)
ولكم استنكر النبي صلى الله عليه وسلم اللجاجة والمماراة والإعجاب بالرأي ، وأنذر من الوقوع فيها أو في واحدة منها ، والمتأسون به عليه الصلاة والسلام من بحر هديه يغترفون .
وبلال بن سعد ـ وهو من النصحة لهذه الأمة ـ يخشى على المسلم النفاق ، وأن يكون بين سريرته وعلانيته تخالف ، لأن ذلك بريد الهاوية والعياذ بالله ... يقول بلال وهو يخشى على أخيه المسلم ذلك:
(لا تكن وليًا لله في العلانية وعدوه في السر)
أوليس الله هو الذي يعلم السر وأخفى .. [ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون] .
اللهم اجعل سريرتنا أصلح من علانيتنا واجعل علانيتنا صالحة .
وعلى هذا الخط النوراني من ملاحظة القلب وأعماله يتأول بلال بن سعد قول الله تعالى:
[إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر]
فيقول ـ كما يروي الأوزاعي ـ رحمه الله: (إن أحدكم إذا لم تنهه صلاته عن ظلمه لم تزده صلاته عند الله إلا مقتًا)
فويل ثم ويل للظالمين يريدون أن يسحروا أعين الناس لتغمض عن ظلمهم وتراه غير ذلك ، فيقومون إلى الصلاة !!! فلا يزدادون بهذه الصلاة وهم مقيمون على الظلم والأذى إلا مقتًا عند الله .. وهذا من كريم عدله سبحانه وتعالى .
ولعل من الخير أن تعلم أن صاحبنا ـ رحمه الله ـ كان لا يتناول في بيانه للناس وإرشاده لهم جانبًا ويدع جانبًا آخر... وإنما هي النظرات الشاملة العميقة ، صنع العالم ألا ريب ، والناصح المربي في حرص على التذكير بالآخرة ، وإخلاص العمل لله عز وجل ، وحمل من ولاه الله هدايتهم إلى ساحة التخلق بأخلاق عباد الله المؤمنين الذين أثنى عليهم ـ سبحانه ـ في أكثر من موضع من كتابه . ها هو ذا يقول: (أما ما وكلكم به فتضيعون ، وأما ما تكفل لكم به فتطلبون ، ما هكذا نعت الله عباده المؤمنين !! أذوو عقول في طلب الدنيا ، وبُلْه عما خلقتم له ؟ فكما ترجون رحمة الله بما تؤدون من طاعة الله ، فكذلك أشفقوا من عقاب الله بما تنتهكون من معاصي الله) .
ذلكم هو التوازن فيما يجب أن يكون عليه سلوك المؤمن الذي يفهم عن الله ما أراد ، ويعمل على حسن التأسي بنبيه عليه الصلاة والسلام .
وانظروا إلى هذه الكلمات النابعة من القلب ، المثقلة بندى الصدق والخشية من الله ، المزدانة بروح العبودية لله المنعم المتفضل ، تلك العبودية التي لا ملاذ للمؤمن غيرها ، فعن عبد الرحمن بن أبي حوشب قال: سمعت بلال بن سعد يقول:
(أربع خصال جاريات عليكم من الرحمن مع ظلمكم أنفسكم وخطاياكم ، أما رزقه: فجارٍعليكم ، وأما رحمته: فغير محجوبة عنكم ، واما ستره فسابغ عليكم ، وأما عقابه: فلم يعجل لكم . ثم انتم على ذلك لاهون تجترئون على إلهكم ، أنتم تكلمون ويوشك الله تعالى يتكلم وتسكتون ، ثم يثور من أعمالكم دخان يسود منه الوجوه . فاتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ، عباد الرحمن لو غفرت لكم خطاياكم الماضية لكان فيما تستقبلون شغل ، ولو عملتم بما تعلمون لكنتم عباد الله حقًا) .
وفي موعظة تكاد تشم من خلال كلماتها رائحة كبد مقروحة ملذوعة حبًا لله وخشية من عقابه ، وتقرأ بين سطورها ما توحي به من صدق العزيمة والزهادة في الدنيا ، وعلو الهمة . يقول أجزل الله مثوبته:
(عباد الرحمن لو سلمتم من الخطايا فلم تعملوا فيما بينكم وبين الله خطيئة ، ولم تتركوا لله طاعة إلا جهدتم أنفسكم في أدائها إلا حبكم الدنيا لوسعكم ذلك شرًا ، إلا أن يتجاوز الله ويعفو.
عباد الرحمن إنكم تعملون في أيام قصار لأيام طوال ، وفي دار زوال لدار مقام ، وفي دار نصب وحزن لدار نعيم وخلد ، ومن لم يعمل على اليقين فلا يغتر).
ويقول رحمه الله:
(عباد الرحمن هل جاءكم مخبر يخبركم أن شيئًا من أعمالكم تقبل منكم ، أو أن شيئًا من خطاياكم غفر لكم [أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون] والله لو عجل لكم الثواب في الدنيا لاستقللتم كل ما افترض عليكم ، أفترغبون في طاعة الله بتعجيل دنيا تفنى عن قريب ، ولا ترغبون في جنة [أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين آمنوا وعقبى الكافرين النار]
عباد الرحمن أشفقوا من الله ، واحذروا الله ولا تأمنوا مكره ، ولا تقنطوا من رحمته ، واعلموا أن لنعم الله عندكم ثمنًا فلا تشقوا على أنفسكم،أتعملون عمل الله لثواب الدنيا!! فمن كان كذلك فوالله لقد رضي بقليل حيث استعنتم على اليسير من عمل الدنيا فلم ترضوا ربكم فيها ورفضتم ما يبقى لكم وكفاكم منه اليسير).