فهرس الكتاب

الصفحة 16761 من 27345

الحلقة العاشرة - الجمعة 14 رمضان 1395هـ -19 أيلول 1975

العلامة محمود مشّوح

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد أيها الإخوة المؤمنون فما زلنا بعداء نوعًا ما عن المرحلة الحاسمة في تاريخ الدعوة ما زال الوقت مبكرًا بعض الشيء عن مواجهة مستلزمات قول الله تعالى لنبيه صلوات الله عليه وسلامه: يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر.

نحن الآن في مواجهة مرحلة مبكرة في الزمان، لكن الأمر الذي يلفت النظر في هذه المرحلة أنها تكاد تُعْنَى عنايةً خاصة بشؤون الدعوة والدعاة فقط، دون التفاتٍ يُذكر إلى ردود الأفعال التي أحدثتها الدعوة في صفوف الجاهليين.

نحن نواجه الآن سورة -المزمل- ثالثة السور المكية في ترتيب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه السورة العجيبة تبدأ هكذا:

بسم الله الرحمن الرحيم

?يَا أيُها المُزمِّلُ قُمِ الليل إلا قَليلا نِصْفَهُ أو انقصْ منهُ قليلًا أو زدْ عليه ورتِلِ القُرآن تَرْتيلًا?.

وهي بداية تستوقف النظر، وتستدعي التأمل.

يا أيها المزمل؛ فاتحة عجيبة حاول بعض المفسرين حين النظر إلى هذه الفاتحة أن يفر من مواجهة مدلولها لما تخيل من أنَّ المعنى المتبادِرَ إلى الذهنِ -أول البديهة- معنى لا يليق بالنبي صلوات الله وسلامه عليه.

قول الله تعالى خطابًا للنبي عليه السلام يا أيها المزمل: والمزمل هو المتزمل في ثيابه، والمتزمل في ثيابه هو المتدثر بها، لأن أصل الكلمة من مادة زَمَلَ -الزاي- والميم- واللام- وهي تدل على الثقل والحمل وعلى التغطية أيضًا، ويُحْمَلُ الكلامُ على أن المراد به خطاب النبي عليه الصلاة والسلام وهو في حالة تهيُّؤ للصلاة، أي أن الكلام خاطب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في حالة جد والتزام مع أرقى مستويات الدعوة، مع أن الأمر على خلاف ذلك يا أيها المزمل، تزمل في ثيابه حين ينام وحين يتخفف من متاعب الدنيا وأوصابها، والنبي صلى الله عليه وسلم -وهذا هو موطن العجب- لم يكن مضى عليه طويلُ زَمنٍ ولا كَبيرُ وقتٍ وهو يتلقى وَحَي الله تعالى؛ سورتان فقط مرتا سورة العلق بنبراتها الحاسمة وفواصلها القصيرة وجرسها الشديد الوقع، وسورة القلم.

بهذا التمهل والترسل، وبما عرض له من مواقف بعض المشركين، وبما خط للنبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين معه؛ من سبل المواجهة والوقوف في وجه المشركين؛ سورتان فقط نزلتا يتلقى النبي صلى الله عليه وسلم بعدهما هذا التعريض المر؛ ماذا تفعل يا محمد وقد جاءت الروايات بأن النبي صلوات الله عليه حين نزلت عليه هذه السورة أو أوائلها على الأقل، كان مضيفًا إلى فخد خديجة رضي الله عنها -يعني كان متكئًا ونائمًا- على فخد زوجته، حالة تخفف من العبء، حالة ركون إلى أحلى ما في الحياة الإنسانية، وأمتع ما فيها حالة الإضافة إلى الزوجة التي تمثل عنصر الأمان والاستقرار والانصراف عما وراء عتبة باب الدار؛ فالله جل وعلا لم يمهل نبيه صلى الله عليه وآله لكي يَرْكَنَ إلى هذا اللون من الحياة الوادعة الآمنة المطمئنة وإنما جاءه النداء الرباني يُعَّرِضُ بحالته هذه؛ مشعرًا إياه بأن حالة الدعاة يجب أن تكون شيئًا غير هذا.

يا أيها المزمل، يا أيها المفضي إلى زوجتك تلتمس عندها الراحة والهدوء؛ يا أيها النائم في بيتك المتدثر في ثيابك وفي فراشك تلتمس التخفف والدعة والهدوء والاطمئنان.

يا أيها الذي يفعل هذا فقط بعد سورتين من القرآن قم الليل إلا قليلًا، تكليف يأتي بعد تعريض. نعم في التعريض قسوة ولكنها القسوة اللازمة لإيقاظ النفس النائمة عمَّا تقتضيه الدعوة من جد ونشاط، وبالفعل تنبيه النبي عليه السلام إلى ما يراد منه، وإلى ما أراد الله به من كرامة حمل الدعوة، وكان بَعْدُ؛ حينما تناديه زوجه مريدة إياه على شيء من الراحة أن يريح هذا الجسد المتعب المكدود أن يأخذ لنفسه بعض قسطها من الراحة والنوم يقول لها مضى عهد النوم يا خديجة.

لقد وعى الدرس بتمامه بكل ما فيه من قسوة في الخطاب؛ لكن مع كل الآفاق والأبعاد التي خطها أمامه الخطاب الإلهي المكرم ?يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا?، وَذِكْرُ الليل هنا ثم استثناء بعضه يطبع في الذهن حقيقة المهمة بضخامتها وبصعوبة أكلافها، قم الليل لا تنم ثم يأتي الاستثناء من بَعْدُ يُجَرُّ جرًا ضعيفًا ويسحب سحبًا واهنًا هذا القليل الذي استثنى الله تبارك وتعالى من القيام ومن التهجد ومن العبادة.

ماذا طلب من النبي إذًا عليه السلام؟ هل طلب منه أن يخرج شاهرًا سيفه لكي يجالد المشركين، أم طلب منه أن يخرج إلى طرقات مكة وأزقتها ليحدث فيها شغبًا مستطيلًا ومستعرضًا؟

هل طلب منه أن يمد عينيه إلى ما تموج به الحياة من حوله من مفاسد وشرور ويطلب إليه أن يقتلها ويجتثها من الجذور؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت