فهرس الكتاب

الصفحة 16762 من 27345

كل ذلك لم يكن ولا شيء منه.. طلب محدد لَكنْ ذاتي. طلبٌ يعود على الذات؛ قم الليل إلا قليلا، ظني أن عقول أبناء هذا الزمان لا تطيق استيعاب مثل هذا الأسلوب إذا كانت الحياة من حولنا تصطرع بالتيارات الجاهلية، وإذا كانت الشرور والمفاسد من حولنا تتنزى بها جوانب الحياة تجرح الفضيلة، وتسيء إلى الحق، وتهين كل معاني العدالة والإنسانية، فما معنى أن يطلب إلى الإنسان أن يقوم الليل إلا قليلا. لكن سنمضي أولًا... سنمضي في استعراض صورة الموقف المطلوب وبعد أن نستعرض صورة هذا الموقف سَنَكِرُّ بالحديث على هذه النقطة التي أثرناها وذكرناها.

يقول له الله جل وعلا:

?قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا، أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا?.

فالمطلوب من القيام نصف الليل أو أن ينقص منه صلوات الله عليه قليلًا أو أن يزيد عليه قليلًا، وما هو أقل من النصف درجة فهو الثلث. وما هو أكثر من النصف درجة فهو الثلثان، فطلب القيام في الليل يرد بين الثلث وبين الثلثين؛ أن يقوم المسلم مع النبي عليه الصلاة والسلام فترة من الليل، لا تقل عن الثلث ولا تتعدى الثلثين؛ لكن مع ماذا مع ترتيل القرآن ومع قراءة القرآن بإمعان وبتمهل.

ما معنى الترتيل: الترتيل مصدر مادة رتّل، والراء والتاء واللام في لغة العرب جذر لغوي يدل على التنسيق والترتيب، وعلى حسن الأداء إذا حُمِلَ على الكلام لأن الأصل حين أطلقته العرب قالت ثغرٌ رَتَل أي ثغر مفلج الأسنان منتظمها بَيِّنه، يعني بين كل سن وسن فواصل دقيقة، لكن ملحوظة على نسق ونظام مرتبين، فهذا هو الأصل في الوضع اللغوي ومنه استعيرت بقية الصور في الكلام.

ما معنى الترتيل أو ما يعطيه معنى الترتيل حين يحمل على الكلام، وينظر إليه من هذه الباب؟

معناه التمهل في أداء القول، عدم الإسراع والهذِّ في الكلام ثم أن يأخذ كل حرف من الكلمة حقه من مخرجه من الجهاز الصوتي الإنساني، فالترتيل يحمل معنى التنسيق ولكن يحمل أيضًا معنى الوضوح والبيان، فالمتكلم الذي يأخذ بعض الحروف فلا يكاد يبين لا يسمى مرتلًا، والقارئ الذي يهذُّ آيات القرآن هَذًَّا، ويسرع في تلاوتها إسراعًا لا يسمى مرتلًا، أحبُّ أن أقف عند هذا المعنى؛ لأسوق واقعة كبيرة من وقائع العصر النبوي الكريم، تدلكم على مبلغ ما تأدب به النبي صلى الله عليه وسلم بتأديب الله إياه يوم قال له الله: ورتل القرآن ترتيلا.

من طبيعة الأمور أن نقرر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معروفًا وقبل النبوة أنه كان من الفصحاء البلغاء الأمناء في العرب، فهذا شيء مشهود به للنبي صلى الله عليه وسلم ولكن حينما كانت تتنزل عليه بعض الآي من كتاب الله، كان لحرصه البالغ على أن يسجل في ذهنه ويطبع في ذاكرته كلام الله جل وعلا، كان يسابق جبريل في الكلام، إرادة أن يعي وإرادة أن يحفظ ومخافة أن يتفلت من ذهنه ومن ذاكرته كلام ربنا جل وعلا، فالله جل وعلا لحظ هذا وقال له:

?ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه?.

فالنبي صلى الله عليه وسلم أحيانًا يدفعه الحرص على جمع الآيات الموحى بها على التعجل في التلاوة، لكنه بعد هذا الذي وجّه إليه ولفت نظره نحوه، أصبح يرتل القرآن ترتيلا، بل أصبح كل كلامه ترتيلًا، بل أصبح إذا قال القولة يريد للناس أن يسمعوه وأن يدركوه يعيده عليهم ثلاثًا مبينًا مرتلًا. قالت أم سلمة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله يتكلم بتمهل حتى إن العادّ لو شاء أن يعدّ كلماته -صلوات الله عليه وآله- لعدَّها عدًَّا علامَ يدل هذا؟ يدل على فرط الأناة والقدرة البالغة على ملك قدرات النفس جميعًا، وأنه إذ يؤدي ما يؤدي سواء من كلام الله أو من توجيهاته الخاصة فبنفسية وبعقلية وبإمكانية الإنسان المتمكن القادر على أن يؤدي ما يريد بكل ثقة وأناة وتمهل.

هذا الطبع من النبي عليه الصلاة والسلام أعطى قراءته لونها الخاص بها ونكهتها المقصورة عليها في الأحاديث المستفيضة المشتهرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن قراءة القرآن بتعجل، وحين يقرأ القرآن أمامه على هذا النمط يقول أَهذًَّا كَهذِّ الشعر؟ كناية عن أن الذي يسرع في القراءة فقلّما يعي وقلّما يستوعب ويدرك معاني ما يقرأ.

وفي وصف قراءته عليه السلام أنه كان يقطع الآي؛ وكنت تستطيع أن تعد كلمات الآية وهو يقرؤها صلوات الله عليه، ومن هنا سهّل على الأصحاب أن يحفظوا من فم النبي صلى الله عليه وسلم آيات الله تبارك وتعالى، وسهّل على كَتَبَةِ الوحي رضي الله عنهم، أن يقيّدوا عن لسان النبي عليه الصلاة والسلام كل ما تلا عليهم من كلام ربه تبارك وتعالى، هذا الطبع أدى إلى ماذا؟ أو ماذا ينتج عنه؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت