فهرس الكتاب

الصفحة 19120 من 27345

للشيخ / سعد الدين بن محمد الكبي

مدير معهد الإمام البخاري للشريعة الإسلامية

الحمد لله وحده، والصلاةوالسلام على المبعوث رحمة للعالمينوعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد،

فإن الجهاد ذروة سنام الإسلام، وبابعظيم من أبواب الجنة، إلا أنّ لهشروطًا وأحكامًا يجب توفرها حتى يكونشرعيًا يحقق الغاية التي شرعه اللهعز وجل من أجلها .

وقد أخطأ بعض المستعجلين طريقالجهاد، فاستخدموه استخدامًامنكرًا، وسبب ذلك يعود إلى سوءالفهم، والتصدر قبل التأهل، فوقعوافيما لا يحبه الله ويرضاه، فكانمثلهم كمثل من يحج في رجب أو شعبان،أو يصوم يوم الفطر ويوم النحر، فيقعفي الإثم ويكون مأزورًا لا مأجورًا،وإن ظنَّ نفسه أنه في أعلى الدرجات،إذ العبرة في امتثال أحكام الشرعوالسير فيه على مراد الشارع سبحانهلا على مراد النفوس والهوى .

الهدف من الجهاد

الهدف من الجهاد إقامة الدين،وتحقيق شرع الله في البلاد، وتطبيقهعلى العباد، لا مجرد سفك الدماء وزهقالأرواح .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

"أصل ذلك أن تعلم أن جميع الولاياتفي الإسلام مقصودها أن يكون الدينكله لله، وأن تكون كلمة الله هيالعليا، فإن الله سبحانه وتعالى إنماخلق الخلق لذلك، وبه أنزل الكتب، وبهأرسل الرسل، وعليه جاهد الرسول صلىالله عليه وسلم والمؤمنون، قال تعالى: (( وما خلقت الجنَّوالإنس إلا ليعبدون ) ). ثم قال:وهذا الذي يقاتل عليه الخلق، كما قالتعالى: (( وقاتلوهم حتى لاتكون فتنة ويكون الدين كله لله ) )".

وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعريرضي الله عنه قال: سُئل النبي صلىالله عليه وسلم عن الرجل يقاتلشجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياءً،فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: ( من قاتل لتكون كلمة الله هيالعليا فهو في سبيل الله ) [ الفتاوى 28/ 61 ـ 62 ] .

قلنا: تأمل قوله:"لتكون"فإناللام تعليلية أي من أجل ذلك يقاتلون.

مسألة

وقد يؤخذ بعضهم بالنصوص التيتبين فضلَ القتل والشهادة في سبيلالله، فيعتبر ذلك كافيًا لإقامةالجهاد. والجواب:

أن الشهادة مطلب فردي في الجهادالمشروع، وأما الجماعة فتراد للبقاءوالدوام لإقامة الشرع، وقد دلَّ علىذلك قوله صلى الله عليه وسلم في بدر: ( اللهم إنتهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض) . ولم يعتبرها فرصةللشهادة الجماعية، أو كونها أقربطريق إلى الجنة .

من الذي يحق له إعلان الجهاد؟

وليس الجهاد أمرًا فرديًا يحقللأفراد أن يمارسوه باختيارهم كمايمارس أحدهم صوم النافلة أو العمرة،فيشرع فيهما متى يريد، وإنما هو أمريتعلق بكافة الأمة ويتوقف عليهمصيرهم، ولهذا لم يكن لأي أحدٍ أنيعلنه أو يشرع فيه على رأيه ومزاجه،ولا قياسه واجتهاده، وإنما هو للإمامالذي يتعلق به هذا الأمر ويتحملعواقبه . ولذلك ذكر الفقهاء أن الجهاديكون فرضًا على الأعيان في ثلاثحالات، فذكروا منها: إذا استنفرالإمام قومًا لزمهم النفير، لقولهصلى الله عليه وسلم (وإذا استنفرتم فانفروا ) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

"الجهاد فرض علىالكفاية، إلا أن يتعين فيكون فرضًاعلى الأعيان مثل أن يقصد العدوبلدًا، أو مثل أن يستنفر الإمامأحدًا". [ الفتاوى 28 / 80 ] .

وإذا غاب الإمام وجب أن يرجع في هذاالأمر إلى أهل الحل والعقد في البلد،ومن أبرزهم طلاب العلم والدعاة إلىالله بعد التشاور وسؤال أهل العلمالذين هم ورثة الأنبياء ـ بعد توصيفالواقع الحقيقي لهم.

أما أن يعلن الجهاد قومٌ لا يعرفونبعلم، ولا رجعوا إلى طلاب العلم،فهذا محض اعتداء ووضع الأمور في غيرمواضعها.

وقد قال تعالى: (( وإذاجاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوابه ولو ردوه إلى الرسول وإلى أوليالأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونهمنهم ) ). فوجب الرجوع إلى أهلالعلم في النوازل خاصة كما يرجعإليهم في فروع الشريعة كالطلاق وغيره.

إلا أن هؤلاء لم يرجعوا إلى أهل العلملسببين رئيسيين:

الأول: أنهم متشبعون بمذهب الخوارج،وليس من الضروري أن يكفِّروا مرتكبالكبيرة ليُنسبوا إلى الخوارج،بل يكفي أنهم لا يرون إلاالسيف في إنكار المنكر دون النظر إلىالمصالح والمفاسد، وهذا أصل من أصولالخوارج.

الثاني: أنهم حكموا على أهل العلمبالتخاذل، لأنهم لم يوافقوهم علىأفكارهم وأحكامهم وتصرفاتهم فقالواعنهم:

علماء حيض ونفاس، فهم يرجعون إليهمللسؤال عن الحيض والنفاس، لكنهم لايرجعون إليهم في المسائل النوازل،وهذا يدل على أنهم قوم متبعون لأهواءأنفسهم يوالون ويعادون عليها.

يجب الجهاد مع القدرة على ذلك

والجهاد واجب مع القدرة عليه،قال شيخ الإسلام:

"ومن كان عاجزًا عنإقامة الدين بالسلطان والجهاد، ففعلما يقدر عليه من النصيحة بقلبهوالدعاء للأمة، ومحبة الخير، وفعل مايقدر عليه من الخير، لم يُكَلَّف مايعجز عنه". [ الفتاوى 28/ 396 ] .

قلنا: وهذا يطّرد مع قاعدة أهل السنة:

لا تكليف إلا بمقدور عليه، بخلافقاعدة أهل البدعة وهي: إمكان التكليفبما لا يطاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت