د. القرشي عبد الرحيم البشير*
مقدمة:
الحمد لله نجاهد أنفسنا حتى نستقيم على أمره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، والصلوات الطيبات والتسليمات الزاكيات على عبده ورسوله وصفي خلقه وخليله وعلى آل بيته الأطهار وصحابته الأبرار.. اللهم ارزقنا محبتك ومحبته، واجعلنا من خاصته، وادخلنا في شفاعته، واسقنا من حوضه، واجعلنا في الجنة في رفقته، سبحانك لا علم لنا إلاّ ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
أما بعد:
إن الموضوع الذي وقع عليه اختياري في هذا البحث؛ يتعلق بمقصد من مقاصد الشريعة البديعة، جرى على ألسِنَة فقهاء الشريعة حتى أصبح من القواعد الكلية، والضوابط الفقهية المعتبرة المرعية التي كشفت عن آفاق يسر الشريعة وسماحتها بتصوير بارع، وتنوير رائع، في إطار نظرية جامعة، جمعت ما تحتها من جزئيات فرعية على اختلاف موضوعاتها وأبوابها.
وقد جعلت عنوان هذا البحث: (درء المشقة في الشريعة الإسلامية) وقد قدمته في ندوة علمية بقسم الفقه والأصول بكلية الشريعة بجامعة قطر، فأُثرِيَ بالنقاش العلمي القيم.. فإلى مقاصد هذا البحث، والذي كان الأول منها في تعريف المشقة:
المقصد الأول: تعريف المشقة
المشقة لغة: الصعوبة والشدة والحرج: قال صاحب القاموس المحيط [1] : (شق عليه الأمر شقًا ومشقة صَعُب) وفي تاج العروس [2] : (المشقة الشدة والحرج وجمعه مشاق ومشقات) ، والشق هو الاسم من المشقة كما جاء في لسان العرب [3] .هذه المعاني إذا أخذت مطلقة من غير نظر إلى الوضع العربي فإنها تقتضي ثلاث أوجه اصطلاحية:
الوجه الأول: شموله لغير المقدور عليه من التكليف بما لا يطاق، فإنه يسمى مشقة من حيث إيقاع من تطلب حمله في عناء وتعب لا يجدي - كالمقعد إذا تكلف القيام، والإنسان إذا تكلف الطيران، ونحو ذلك - وهذا النوع ليس محطًا للبحث فيما نحن بصدده وقد منع وقوعه أكثر العلماء من أصحاب المذاهب المعتبرة كما هو مقرر في مظانه من كتب الأصول [4] وغيرها.
وقد حرر ابن تيمية [5] وتلميذه ابن القيم [6] - رحمهما الله - هذه المسألة بما يحقق الإجماع على عدم وقوع التكليف بما لا يطاق، مع اختلاف العلماء في جواز الأمر به [7] ، وحصرا الخلاف في دخول الفعل المختلف فيه فيما لا يطاق أو عدم وصفه بذلك، فيكون الخلاف في تحقق هذا الوصف - مالا يطاق - في ذلك الفعل. ومثلا لذلك باختلافهم فيما تعلق علم الله تعالى بعدم وقوعه مما هو ممكن في ذاته عقلًا وعادة، كإيمان من بلغته الدعوة ومات كافرًا، فهذا لا نزاع في التكليف به، لكن هذ يطلق عليه أنّه مما لا يطاق؛ باعتبار أنه غير مقدور للمكلف بالنظر إلى تعلق المشيئة بعدم وقوعه، أم هو مقدور للمكلف القدرة المصححة التي هي مناط التكليف وشرط فيه، فلا يكون داخلا فيما يطاق.
قال ابن القيم - رحمه الله - في سياق حديثه عن أنواع الفعل بالنسبة إلى التكليف وفي النوع الثاني مما لا يطاق".. اتفق الناس على أنه لا يطاق، وتنازعوا في جواز الأمر به، ولم يتنازعوا في عدم وقوعه، ولم يثبت بحمد الله أمر اتفق المسلمون على أنه لا يطاق، وقالوا: إنّه يكلف به العبد ولا اتفق المسلمون على فعل كلف به العبد وأطلقوا القول عليه بأنّه لا يطاق [8] ."
الوجه الثاني: إطلاق المشقة على المقدور عليه وفيه مشقة معتادة، لا تخرجه عن المعتاد في الأعمال العادية، فهذه مشقة عادية يستطيع الإنسان تحملها دون إلحاق الضرر به، وإنما يكون وصفه بالمشقة باعتبار أنه نفس التكليف به زيادة على ما جرت به العادات قبل التكليف فيكون شاقًا على النفس بهذا الاعتبار، ولهذا أطلق عليه لفظ"التكليف"وهو في اللغة يقتضي المشقة، إذ تقول العرب: كلفته تكليفًا، إذا حمّلته أمر يشق عليه وأمرته به [9] قال الشاطبي [10] :".. فمثل هذا يسمى مشقة بهذا الاعتبار؛ لأنه إلقاء بالمقاليد، ودخول في أعمال زائدة على ما اقتضته الحياة الدنيا".
وهذا الوجه ليس محلًا لهذا البحث أيضًا، لأن هذا النوع من المشاق لم يدرأه الشارع، ولا تنفك عنه العبادة غالبًا، والتكليف بالمطالب الشرعية مع وجود هذا الوجه واقع فعلًا، فلا يكون له أثر في التخفيف وإسقاط التكاليف الشرعية.
يقول العز بن عبد السلام [11] ن هذا الوجه: (هذه المشاق كلها لا أثر لها في إسقاط العبادات والطاعات، ولا في تخفيفها، لأنها لو أثرت لفاتت مصالح العبادات والطاعات في جميع الأوقات، أو في غالب الأوقات، ولفات ما رتب عليها من المثوبات والباقيات". وقال ابن القيم [12] :"إن كانت المشقة مشقة تعب، فمصالح الدنيا والآخرة منوطة بالتعب، ولا راحة لمن لا تعب له، بل على قدر التعب تكون الراحة"."