الحسد
يتناول الدرس معنى الحسد والأسباب التي تدعو إلى وجوده، وكيفية اتقاء الحسد، ثم كيف يتوب الحاسد والوسائل المعينة على ذلك .
معناه: الحسد: هو تمني زوال النعمة عن صاحبها؛ سواءً كانت نعمة دين أو دنيا.
التحذير منه: قال سبحانه وتعالى في ذم الحاسدين , واستنكار أفعالهم:
] أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [54] [ سورة النساء .
وقد أمر الله ـ جل وعلا ـ بالاستعاذة من شر الحاسد فقال ـ تعالى ـ: ]ومن شر حاسد إذا حسد[ سورة الفلق .
وللتحذير من الحسد وعواقبه قال صلى الله عليه وسلم: [إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ أَوْ قَالَ الْعُشْبَ] أخرجه أبو داود عن أبي هريرة.
قال بعض الحكماء: بارز الحاسد ربه من خمسة أوجه:
أولها: قد أبغض كل نعمة قد ظهرت على غيره.
و الثاني: سخط لقسمته؛ كأنه يقول لربه: لم قسمت هكذا؟
والثالث: أنه ضن بفضله؛ يعني أن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وهو يبخل بفضل الله تعالى.
والرابع: خذل ولي الله ـ تعالى ـ, لأنه يريد خذلانه وزوال النعمة عنه.
والخامس: أعان عدوه يعني إبليس لعنه الله.
ويقال: الحاسد لا ينال في المجلس إلا مذمة وذلًا، ولا ينال من الملائكة إلا لعنة وبغضًا، ولا ينال في الخلوة إلا جزعًا وغمًا ، ولا ينال عند النزع إلا شدة وهولًا ، ولا ينال في الموقف إلا فضيحة ونكالًا، ولا ينال في النار إلا حرًا واحتراقًا..!!
أسباب الحسد:
1-العداوة والبغضاء: فإن من آذاه إنسان بسبب من الأسباب , وخالفه في غرضه , أبغضه قلبه, ورسخ في نفسه الحقد.
والحقد يقتضي التشفي والانتقام , فمهما أصاب عدوّه من البلاء فرح بذلك , وظنه مكافأة من الله ـ تعالى ـ له، ومهما أصابته نعمة ساءه ذلك، وإنما غاية التقي أن لا يبغي , وأن يكره ذلك من نفسه..
2-الكبر والعجب: وأما الكبر؛ فهو أن يصيب بعض نظرائه مالًا أو ولاية, فيخاف أن يتكبر عليه , أو يكون من أصاب ذلك دونه ؛ فلا يتحمل ترفعه عليه أو مساواته ، وكان حسد الكفار لرسول الله صلى الله عليه وسلم قريبًا من ذلك ، قال الله تعالى: ] وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ [34] [ سورة المؤمنون .
3-حب الرياسة والجاه: وأما حب الرياسة والجاه فمثاله رجلٌ يريد أن يكون عديم النظير في فن من الفنون ؛ فيسمع بنظير له في أقصى العالم ؛ فيسوؤه ذلك , ويحب زوال النعمة التي يشاركه فيها .
وقد كان علماء اليهود ينكرون معرفة النبي صلى الله عليه وسلم , ولا يؤمنون به خوفًا من بطلان رئاستهم.
4-خبث النفس وبخلها: تجد من الناس من لا يشتغل برئاسة ولا تكبر , وإذا وصف عنده حسن حال عبد من عباد الله ـ تعالى ـ شق عليه ذلك، وإذا وصفت له اضطرب أمور الناس وإدبارهم فرح به.
ثمرة الحسد:
إن الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفي في الحال رجع إلى الباطن , واحتقن فيه فصار حقدًا؛ فالحقد ثمرة الغضب , والحقد يثمر ثمانية أمور:
الأول: الحسد؛ وهو أن يحملك الحقد على أن تتمنى زوال النعمة عنه.
الثاني: تشمت بمن أصابه من البلاء.
الثالث: أن تهجره , وتنقطع عنه ؛ وإن أقبل عليك.
الرابع: وهو أن تعرض عنه استصغارًا له.
ولذلك ترى العالم يحسد العالم دون العابد , والتاجر يحسد التاجر , فأصل العداوة التزاحم على غرض واحد، والغرض الواحد لا يجمع متباعدين ، ومنشأ جميع ذلك حب الدنيا؛ فإن الدنيا هي التي تضيق على المتزاحمي ن، وأما الآخرة فلا ضيق فيها , ولهذا فإنه بحسب فضل الإنسان , وظهور النعمة عليه يكون حسد الناس له, فإن كثر فضله كثر حُسّاده، وإن قلّ قلوا.
الخامس: أن تتكلم فيه بما لا يحل من كذب وغيبة وإفشاء سر وهتك ستر وغيره.
السادس: أن تحاكيه استهزاء به وسخرية منه.
السابع: إيذاؤه بالضرب وما يؤلم بدنه.
الثامن: أن تمنعه حقه من قضاء دين أو صلة رحم أو رد مظلمة.
ما يصيب الحاسد:
ليس شيء من الشر أضر من الحسد؛ لأنه يوصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن يصل إلى المحسود مكروه:
أولهما: غم لا ينقطع. والثاني: مصيبة لا يؤجر عليها. والثالث: مذمة لا يحمد بها.
والرابع: يسخط عليه الربّ. والخامس: تغلق عليه أبواب التوفيق.
موقف المسلم من حاسديه:
جمع الله تفصيل ذلك في قوله تعالى: ] وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [134] [سورة آل عمران .
قال أهل العلم: ثلاث منازل للمبتدئين والمقتصدين والسابقين بالخيرات.
المنزلة الأولى: من أسيء إليه فليكظم.
المنزلة الثانية: فإن زاد على الكظم ]وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ[.
المنزلة الثالثة: من جمع ما سبق ]وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [.
فأحسن إليه بصلة أو هدية.
وللمسلم مواقف من الحسد وحاسديه: