فهرس الكتاب

الصفحة 25601 من 27345

بقلم د. علي خليل أبو العينين

"...إن المعرفة التربوية الغربية المعاصرة وتطبيقاتها قد وصلت بإنسانها إلى طريق مسدود، وتعيش أزمة حادة بالرغم من مظاهر الصحة والحيوية التي قد تبدو عليها..."

يعتبر هذا الإطار المعرفي للرؤية التربوية الليبرالية الغربية سليل ثلاثة أصول، إليها ترتد أصوله، ومنها تتكون كافة اتجاهاته ومفرداته وتوجيهاته وتجلياته وهي: الفكر الإغريقي، والفكرة الرومانية، والديانة المسيحية .

أما الفكر الإغريقي: فنشأ في بيئة جغرافية ألقت بظلالها على النظام الفكري والاجتماعي, فيما يطلق عليه: ( المدينة/ الدولة ) ، وكان لكل مدينة دولة نمت نموها الخاص بها، حسب الظروف المحيطة بها وبالتالي أثرت في تكوينها الفكري الأيديولوجي وانعكس هذا على تصوراتها عن الإنسان والإله والوجود الحضارة، وبإيجاز شديد يمكن عرض ما تميز به الفكر الاغريقي فيما يلي:

(أ) العقلانية: بمعنى التعلق بالعقل والإيمان المطلق به, بحيث تكون كل ألوان النشاط الإنساني محكومة بالعقل ونشاطه, وهذا ما تفرد به الاغريق ، فلم يكن هناك فكر ثابت, بل متحرك متغير, متجدد بفعل المؤثرات الخارجية, وقامت هذه العقلانية على أساس القياس والاستنتاج والتوليد, والخضوع لمباديء عقلية صرفة مثل استحالة الجمع بين النقيضين, وربط الأسباب بمسبباتها، وبلغ هذا ذروته في منطق أرسطو الذي هو نتاج عقلي لتنظيم عمل العقل, ونشاط إنساني ووظيفة بشرية .

(ب) الإنسانية: وقد ظهر أثرها فيما أنتجه الفكر الإغريقي من علم وفلسفة وفن بشكل ميزهم عن غيرهم، حيث اتخذ الإغريق من الإنسان موضوعا لاهتمامهم، فجعلوه موضوع تأملهم ودراساتهم, بل وتناولوا كل موضوع آخر من زاوية علاقته بالإنسان، حتى أنهم قالوا: إن الإنسان هو المقياس الوحيد الذي يقاس به كل شيء آخر في الكون ، ولا يخفى بعد ذلك نزعتهم التي"مجدت القدرات الإنسانية، وشحذت من الإمكانيات البشرية، وسارت في ذلك إلى نهاية الشوط الذي يغلب النزعة الإنسانية على كل شيء، ونعني بالنزعة الإنسانية هنا، هو ذلك الإنسان في مقابل الكون والوجود القوة العليا، قد يحاربه القدر الأعمى، وقد يسقط ولكن سقوط أبطال التراجيديا يثير الشفقة والرحمة" [1] .

حتى الآلهة، فقد اكسبوها ثوبًا إنسانيًا يكاد يلغي البعد بينها وبين الإنسان حتى قيل إن الآلة عند هومير بشر، والبشر آلهة، ووجدت عشرات الآلهة التي تحارب بعضها، وتغضب وتثور، وتهدد وتنذر ثم تهدأ وتلعب وتشرب الخمر .

(ج) النزعة الفردية: وهي انعكاس للإنسانية، حيث يدل تراث هذا الفكر على عظمة الإنسان الفرد، وقدرته على غلبة الطبيعة، وكان المجال واسعًا لنمو"الشخصية الفردية في جميع مظاهرها السياسية منها والخلقية والعلمية والفنية" [2] .

إن هذا الانعكاس واضح لطبيعة لم تعرف الوحدة السياسية بين بلدانها إلا في حالات نادرة، فقد كانت كل مدينة دولة تحاول"أن تنتصر على الطبيعة وأن تجعلها في متناول الإنسان وفي خدمته، ومن ثم كان الطابع العام للإنسان الاغريقي هو حب التملك، والتفكير في نفسه وفي وحدته الصغيرة، قبل أن يفكر في الآخرين الذين يعيشون في عزلة عنه" [3] ، حتى الإنتاج الفني يعكس هذا ويجسده في كتب التماثيل للإنسان والآلهة، وأدبهم معبر عن هذه الفردية .

(د) الحياة السعيدة: أن يعيش الاغريق حياة كلها سعادة"تشبه حياة الآلهة أثناء وجودهم على الأرض"كان كل هدفهم، الذي ليس مرده رغبة الآلهة، بل مرده إلى"نوع الحياة التي وافقوا عليها أنفسهم" [4] ومن ثم جاءت تربيتهم أبناءهم على نفس الشاكلة، تدريب الناشئة على تنمية الملكات الفردية بحيث يحصلون السعادة لأنفسهم .

أما الفكرة الرومانية: فقد كانت ربيبة الفكر الاغريقي، إن كان ثمة فكر يوناني خارج إطار القانون الروماني، وقد تميزت هذه الفكرة بعدة مميزات: الأسرة في مقابل الفردية: حيث كانت الأسرة هي رابطة بين الأشخاص والأشياء والآلهة، وكانت هي المركز الذي يلتف حوله الدين والخلق والنظام كله، وكيان الدولة، بل كانت هي المنبع الذي تستمد منه كافة مقومات الحياة .

الآلهة مع تعددها مجرد معنويات مجردة، كالصحة والشباب، ولكل عمل في الحياة إله خاص به يتولاء ويشرف عليه وكان لكل أسرة آلهتها الخاصة بها، مع أن الديانة كانت رسمًا من رسوم الدولة العامة التي تعمل على توثيق الروابط بين الأسرة والدولة والحكومة والأفراد .

تكوين الإمبراطورية كان صدي للإيمان بالأسرة: ومن ثم ظهرت عبقريتهم في التطبيق والإدارة والتنظيم، وعلى وجه خاص في التنظيم السياسي والإداري والقانوني، وانعكس هذا على تربية الشباب على الطاعة، والنفعية، والجماعية، فلم يكن للفرد نصيب وافر من الظهور، بل كانت الأسرة مقدسة، والحياة الاجتماعية هي الأساس، فالأب يفرض والابن يطيع، والدولة تفرض والأفراد يطيعون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت