د.عثمان قدري مكانسي
قصة الحديث الذي رواه المصطفى عليه الصلاة والسلام لزوجه عائشة رضي الله عنها بأسلوب العصر الذي نعيش فيه .
بعض الأزواج يدخلون البيوت ، فيسكن من فيها بعد حركة ، وتجف قلوب الزوجات والأولاد من غوائلهم . وجوههم عابسة ، أجبُنُهم مقطّبة،تنخلع القلوب لمرآهم ، وتنقبض النفوس حين تقع العيون عليهم .
ولا أعتقد هذا إلا جهلًا منهم بدورهم في الحياة الأسريّة ، وقوامتهم فيمن ولاّهم الله عليهم .
وكأنهم لم يقرأوا سيرة الرسول الكريم في بيته وبين أهله ونسائه ، ومعاملته إياهم بلطف المعشر وبشاشة الوجه وطيب الكلام .
فقد كان صلى الله عليه وسلم يبادر فيتقرب من نسائه ، ويمازحهن ، ويتباسط معهنّ ، فيدخل السرور إلى قلوبهنّ .
من هذا قوله لعائشة رضي الله عنها:
"كنت لك كأبي زرع لأم زرع"
قالت رضي الله عنها: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، ومن كان أبو زرع ؟.
فحدّثها رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلًا:
إنه اجتمع في الجاهلية إحدى عشرة امرأة في جلسة سمر ، فقلن بعضهُنّ لبعض:
تعالَين نتحدث عن أزواجنا ، دون أن نكتم من أخبارهم شيئًا مدحًا أو ذمًّا ، وأن نكون صادقاتٍ في وصفهم ، على ألاّ يصل هذا إليهم ...
فقالت الأولى: إن زوجي متكبر سيء الخُلُق ، لا أصل إلى رضاه إلا بشق النفس وبذل الجهد ، وشبّهته في رداءته بلحم جمل غثٍّ شديد الهزال على رأس جبل وعر لا يوصل إليه إلا بعسر ومشقّةٍ .
وقالت الثانية:لا أستطيع ذكر زوجي بسوء - وكله مساوئ - فقد يصل إليه ما قلت فيطلقني ، فأضيّع أطفالي ، وأخسر بيتي .
وقالت الثالثة: أما زوجي فهو سفيه أحمق ، عقله في لسانه ، لا يرعى لي ذمة ، ولا يحفظ لي مكانة ، أتحمله على مضض ، فلا أستطيع مجابهته فأطلَّق ، وإن سكتُّ فلا يأبه لي .
وقالت الرابعة: إن زوجي معتدل الأخلاق ، متوسط في رضاه وسخطه، وشبّهتْه بليل تهامة ( وتهامة مكةُ وجنوبُها ، والنسبة إليها تهاميّ) لا تجد فيه حرًا ولا بردًا ، ولا تخافه ولا تسأمه .
وقالت الخامسة: زوجي كريم جواد ، لا يسألني ما أفعله في البيت ، فإذا خرج فهو أسد في الحروب ، بطل في القتال .
وقالت السادسة: أما زوجي فإن أكل أو شرب لم يترك لعياله شيئًا ، فإذا نام لم يشعر بما حوله . أنانيٌّ لا يهتم بحال أهله إن مرضن أو اشتكين . شديد الرغبة في النساء .
وقالت السابعة: يا ويلي ، إن زوجي عيِيٌّ لا يحسن تدبير الأمور ، فيه غيٌّ وضلالة ، أحمق لا يهتدي للتصرف الصحيح ، يتخبط في أعماله ، سريع إلى الضرب ، فإما أن يشُجّ من خاصمه ، أو يكسر له ضلعًا من أضلاعه ، أو يجمع بين الشج والكسر ، فأنا منه على أسوإ حال .
وقالت الثامنة: أما زوجي فناعم الملمس ، كالأرنب لِينًا وعطفًا ، شديد الاعتناء بمظهره وطيب رائحته .
وقالت التاسعة: زوجي أصيل المنبِت ، فارع الجسم ، كريم اليد ، سريع إلى إغاثة الملهوف ، عظيم في قومه ، قريب إلى نفوسهم ، له الصدر في مجالسهم .
وقالت العاشرة: إن زوجي - مالكًا- له إبلٌ كثيرة باركة في فِناء منزله ، لا يوجّهها للكلإ والمرعى إلا قليلًا ، فهو لم يقْتَنِها لينمّيَها ، إنما جعلها للضيفان ، فيقريهم من ألبانها ولحومها . وقد عهِدتِ الإبل منه ذلك ، فإذا سمعن صوت المزاهر وآلات الطرب علمْنَ أنّ أجلَهنّ قد اقترب .
وقالت الحادية عشرة: أما زوجي أبو زرع - وما أدراك ما أبو زرع ؟- فقد انتزعني من بيت فقير وحياة بائسة إلى غنىً واسع وحياة رغيدة ، وأكرمني أيّما إكرام ، طعام كثير ، وخير وفير .. وذهبٌ ملأ يديّ ، ففرحت بما أُلْتُ إليه من نعمة ، وعظّمني فعَظُمَتْ نفسي عندي ، فقولي عنده القول الفصل ، والخدم من حولي يأتمرون بأمري ، ويسعَوْن إلى رضاي ... أم أبي زرع: تمتلك الكثير من المال ، وبيتها واسع رائع .... ابن أبي زرع: نشيط جميل المنظر ... بنت أبي زرع: من أجمل الفتيات ، ذات خلق رفيع ، تغار منها الأتراب ...حتى الخادمة: فإنها أمينة تكتم السر وتحافظ على البيت ، وتعتني به .
إلا أن هذه النعمة لم تدُمْ لي .. فقد خرج زوجي في بعض أعماله فرأى امرأة جميلة في مقتبل العمر ، تلاعب ولدين لها ، وتسقيهما من ثدييها لبن الأمومة اللذيذ ، فأعجَبَتْه ، فطلّق أم زرع ، وتزوّجها .
ولم تلبث ام زرع أن تزوّجت رجلًا أصيلًا غنيًّا ذا همّة عالية ، فأغدق عليها خيرًا كثيرًا ، وأمرها بصلة أهلها وإكرامهم . . إلاأن قلبها لم يكن له ، بل كان لأبي زرع ... ألم يقل الشاعر:
نقّل فؤادَك حيث شئت من الهوى
كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى ... ما الحبّ إلا للحبيب iiالأوّل
وحنينه أبدًا لأوّل منزل ii؟
فكانت تقول: فلو جمعْتُ كل شيء أعطانيه ما بلغ أصغرَ ما أعطانيه أبو زرع .
فلما أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه قالت عائشة رضي الله عنها:
يارسول الله ، بل أنت خير من أبي زرع .