قد حذرنا الله سبحانه وتعالى من الشيطان الرجيم، وبين أنه عدو لنا مبين قال سبحانه: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ(60) وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (61) ) . يس
وأصل العداوة بيننا وبين الشيطان، أن الله سبحانه فضل آدم وكرمه عليه قال سبحانه: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا(61) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلًا (62) ) . الإسراء
لذا فإن الشيطان يعمل جاهدًا من أجل إضلال بني آدم، ولا يجد بابًا يدخل منه لإغوائهم إلا ولجه، فهو يحاصر الإنسان من كل جهاته، يأتيه من قبل الحسنات، ويأتيه من قبل السيئات، يأتيه من قبل الحرص، ومن قبل الخوف، ومن قبل الأهواء والشبهات، قال تعالى: (ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17) ) . الأعراف
وقد جاء في تفسير هذه الآية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ثم لآتينهم من بين أيديهم - أشككهم في آخرتهم-ومن خلفهم - أرغبهم في دنياهم - وعن أيمانهم- أشبه عليهم أمر دينهم - وعن شمائلهم - أشهي لهم المعاصي . وعن قتادة رحمه الله تعالى قال: أتاهم من بين أيديهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة ولا نار ومن خلفهم من أمر الدنيا فزينها لهم ودعاهم إليها وعن أيمانهم من قبل حسناتهم بطّأهم عنها وعن شمائلهم زين لهم السيئات والمعاصي ودعاهم إليها وأمرهم بها... آتاك يا ابن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله .
وتتجلى هذه الصورة المظلمة بوضوح لكل ذي عقل، فإن حقد الشيطان على آدم وذريته، واعتقاده أنهم سبب غوايته يجعله يسلك كل طريق مستطاع من أجل النيل من ذرية آدم، كيف لا وهو قد أقسم بالله مؤكدًا حرصه على إضلال ذرية آدم انتقامًا منهم، قال سبحانه: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83) ) .ص
ورغم ما يكيده الشيطان من عداء لبني آدم، إلا أن الله سبحانه لم يجعل له سلطانًا على أوليائه ، فمهما حاول الشيطان يائسًا لصد أهل الإيمان عن الطريق القويم، فلن يستطيع إلى ذلك سبيلًا ، قال سبحانه: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(99) ) . النحل
فقد عصم الله سبحانه عباده المؤمنين من كيد الشيطان، فلا يستطيع أن يصل إليهم، ولكن أهل الغي والهوى يتسلط عليهم الشيطان كأنهم كرة يحركها كيف شاء قال سبحانه: (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ(100) ) . النحل
فإن الشيطان يتسلط على الإنسان بقدر معاصيه، فكلما كثرت ذنوبك يا ابن آدم ، كلما تمكن الشيطان منك، فإن المسؤول عن تسلط الشيطان عليك هو أنت، نعم أنت، فما كان له أن يتسلط عليك إلا ببعدك عن جادة الحق، وإتباعك لأهوائه وشهواته، فهو لم يجبرك على المعصية، فليست زمام أمورك بيده، بل كل ما هنالك أنه دعاك إلى فخاخه ومكائده فاستجبت له، لذا فهو يتبرأ منك يوم القيامة ، قال سبحانه: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(22) ) . إبراهيم
قال الحسن: يقف إبليس يوم القيامة خطيبا في جهنم على منبر من نار يسمعه الخلائق جميعا يقول: إن الله وعدكم وعد الحق . يعني البعث والجنة والنار وثواب المطيع وعقاب العاصي فصدقكم وعده , ووعدتكم أن لا بعث ولا جنة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب فأخلفتكم .