ومن اجل هذه الوظيفة الخبيثة التي ألزمها إبليس نفسه، وهي إغواء بني آدم يسلك كل طريق تحقق له مأربه، وتمكنه من الاستيلاء على قلوب وعقول الناس، ولا يتوانى إبليس لعنه الله من استخدام أي وسيلة تمكنه من ذلك، فهو ينشر فخاخه هنا وهناك، ويرمي بسهامه في كل ناحية، ومن أسلحة إبليس الفتاكة التي يتصيد بها الإنسان الخمر قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(90) ) . المائدة
فالخمر رجس من عمل الشيطان، فهي سلاح من سلاحه، ومكيدة من مكائده، فهو يستعمل الخمر كشباك له يتصيد بها الناس ليوقع بينهم العداوة والبغضاء، ويصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة ،قال سبحانه: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ(91) ) . المائدة
قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: أعلم الله تعالى عباده أن الشيطان إنما يريد أن يوقع العداوة والبغضاء بيننا بسبب الخمر وغيره , فحذرنا منها , ونهانا عنها . روي أن قبيلتين من الأنصار شربوا الخمر وانتشوا , فعبث بعضهم ببعض , فلما صحوا رأى بعضهم في وجه بعض آثار ما فعلوا , وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن , فجعل بعضهم يقول: لو كان أخي بي رحيما ما فعل بي هذا , فحدثت بينهم الضغائن ; فأنزل الله: ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء ) . أ هـ
فالشيطان يا عباد الله لا يريد الخمر لذاتها، بل يريدها لما ينتج عنها من مصائب عظيمة تقع على هذه الآمة، الشيطان يريد لهذه الأمة أن يعادي بعضها بعضًا،ويبغض بعضها بعضًا، فهو لا يريدها أن تكون طائعة لله ، قائمة على أمره ، مقيمة للصلاة ، منشغلة بذكر الله سبحانه ، بل يريدها أمة كافرة فاسدة فاسقة، متبعة لأهوائها وغيها، معرضة عن سبيل ربها ،لذا فهو يستعمل الوسائل الممكنة، والأسلحة الفتاكة، لينال مناه ،يستعمل الخمر التي تذهب بالعقول، ليوقع بين الناس العداوة والبغضاء ، ويصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة ، لأن هذه الأمور لا تقع إلا ممن غاب عقله وضاع ، أما العاقل اللبيب، فلا يقع في مثل هذه الأمور لما فيها من إفساد للعباد والبلاد ، ولكن يا عباد الله انظروا يرحمكم الله ، كيف تفشت هذه الأمور في المسلمين حتى دون تعاطيهم للخمر ، أصبح كثير من المسلمين يعادي بعضهم بعضًا ، ويلعن بعضهم بعضًا ، أصبح كثير منهم غافلين عن الصلاة ، معرضين عن ذكر الله ، حتى دون تناول الخمر ، فانظروا كيف لم يعد الشيطان بحاجة إلى أسلحته لينال من الناس مبتغاه ، بل وقع الناس في مكائده حتى دون أن يستعمل شباكه فلا حول ولا قوة إلا بالله .
قد أصبح الشيطان دون سلاحه يرميك يا هذا في فخاخه
ويسري فيك أعظم مكره من نفثه ونفخه ونفاخه
وأنت هائم تجنى الشنا كميت لا يشكو من جراحه
وترجو السلامة من غيرحسن كأنك غير متبع لسفاحه
تالله لا نجاة في نهجه ولا خير فيه أوفراخه
فعد إلى الله وابتغي الهدى قبل أن تشاركه بصراخه
بقلم: ابراهيم بن عبد العزيز بركات