فهرس الكتاب

الصفحة 20917 من 27345

كراسي هذا الزمان !

إبراهيم عاصي *

تمتاز كراسي هذا الزمان بميزات (فنية) و (تعبوية) كثيرة ! من هذه الميزات مثلًا: أنها رشيقة لزجة الحركة بسبب ما لها من عجلات ناعمة تدرج عليها .. وأنها مرنة مطواعة تدور (براكبها) على كل الجهات لأنها مركبة على وتد عمودي لولبي الحركة دوار.. وما هكذا كانت الكراسي (أيام زمان) !

وهذه الميزات كما هو ملاحظ ، ميزات محببة مغرية:"رشاقة .. لزوجة .. نعومة .. مرانة .. وتد لولبي دوار!.."ومن أجل ذلك، فقد زاد الترامي على الكراسي ، ومن ثم تنوعت وزادت التضحيات!

فمن مضح بصحته وراحة فكره وصفو لياليه ! ومن مضح بروحه ودمه واضعًا إياهما على كف عفريب !. ومن مضح بكرامته وماء وجهه حتى آخر قطرة !! وقلة قليلة هي التي سعى الكرسي إليها ولم تسع له .. ورغب الكرسي فيها بينما رغبت هي عنه !! ومن هنا بتنا نرى الجالسين على الكراسي أنواعًا متعددة ..

ـ نوع تستهويه مغريات (الكرسي المعاصر) ، من رشاقة ولزوجة وسرعة حركة في جميع الاتجاهات !! فيسترخي عليه ، ويطمئن إليه ، ويزدهي به كما لو كان على صهوة حصان سابح أو بساط ريح !! يجد متعته العظمى في التقلقل عليه .. والحيصان به .. والتزلج فوقه ، (يمينًا) و (يسارًا) وأمامًا ووراءً !!

ولكن ما هي إلا غرة عابرة تلوح منه ، تجده منكبًا على وجهه وقد انكفأ به كرسيه ، فطرحه أرضًا واستبدل به ضدًا !!

ـ ونوع أوتي شيئًا من بعد النظر ، فأدرك منذ البداية أن (المهلكات) تكمن في (المغريات) ! فرشاقة الكرسي المعاصر، وسرعة حركته ودورانه ، ونعومة أقدامه ، وغير ذلك ... كله مزايا تحمل الحسنة والسيئة معًا ! بل تحمل في تضاعيفها"بريق الأمل في المجد والعز المقيم"إلى"احتمال السقوط المباغت إلى أسفل سافلين"!! ولذلك هم يتخذون سلفًا كل الاحتياطات الكفيلة ببقائهم على الكرسي أطول فترة ممكنة .. وكل الأسباب التي تمكنهم من تجميع (الغنائم والأسلاب) بأكبر نسبة وأقصر مدة ! وشعارهم المرفوع المتبوع قول القائل:

واغتنم (ركب الكراسي) = إنما (الكرسي) (اختلاس) (1)

أما شغلهم الشاغل فهو التزود من (منصبهم) الحالي إلى (مهبطهم) المؤكد ، ومن (عاجلتهم) المغرية إلى (آجلتهم) المقفرة .. التزود بكل أنواع المتاع في البيوت ، والأرصدة في البنوك ، والأسهم في الشركات !!.

ومما برع به هؤلاء ، مقدرتهم الهائلة على المناورة والالتفاف والدوران ! ولذلك هم ينفلتون بكراسيهم مع الريح من أية جهة جاءت ! وما أسرع ردود الفعل لديهم واختراعهم للحجج والذرائع التي يسوغون بها كل موقف جديد يقفونه !!.

ـ وثمة نوع ثالث من أصحاب الكراسي .. هذا النوع هو الذي تمثله القلة القليلة ، تلك التي أشرنا إليها في مقدمة هذا الكلام .. القلة التي سعى الكرسي إليها ، ولم تسع هي له ! لم ترق من أجله ماء الوجه ، ولم تسفح الكرامة .. وصلت إليه بالكفاءة والجدارة ، ولذا كانت أزهد الناس فيه ، وأقلهم حرصًا عليه وتشبثًا به .

هذه القلة قد تتلقى مع (الغير) في النظرة الناقدة إلى حقيقة الكرسي ، من حيث أن ظاهره خداع ، وأن الاطمئنان إليه وهم ، وأن انقلابه وشيك ، وأن زواله سريع ، وأنه كالغانية اللعوب لا تمنع ودها الدائم لرجل بعينه !

إلا أن هذه القلة تختلف عن أولئك (الغير) في فهم (الاغتنام) .. هذه القلة تغتنم فعلًا ولكن كيف ؟

إنها تغتنم في تقديم النفع لكل الناس دون من ولا أذى .. وتغتنم في تحاشي الظلم أن يقع منها على أي إنسان .. وفي تحري اللقمة الطيبة الحلال .. وفي نظافة اليد وطهارة الذيل وعفة النفس .. في الإخلاص ، والتقوى ، والعدل بين الجميع .

ومن هنا كان لواحد من هذه القلة يجلس على كرسيه بلا رعب ، ويتنقل بين مواطنيه بلا حذر، ويجوس خلالهم بلا حرس ، ولا عيون تسبقه وتلحقه ، أو تحف به عن يمين وشمال !! بل إنه لينام قرير العين هانئ البال ولو في فلاة الله الواسعة ، لا يخشى غيلة مغتال ، ولا انتقام مظلوم ، فعدله وإنصافه خير حراسه:

أمنت لما أقمت العدل بينهم = فنمت نوم قرير العين هانيها

وإن واحدهم ليتنازل عن أعلى رتبة ومناصبه ، وهو في أوج قوته وعز انتصاراته وبطولاته ، لمجرد كتاب بالتنحية صغير يأتيه من قائده الأعلى المقيم على بعد مئات الأميال عنه !! إنه يتنازل من أعلى سدة في القيادة إلى مرتبة جندي !. يتنازل بلا تمرد ، ولا تذمر، ولا عصيان ، ولا مؤامرات يحوكها من وراء ستار!!

يتنازل ولسان حاله ـ كلسان حال سيف الله خالد بن الوليد بعد اليرموك ـ يردد:

إنا نجاهد كي يرضى الجهاد بنا = ولا نجاهد كي يرضى بنا عمر

وإن واحدهم ليبيت على الطوى ليله ، ويمضي على الكفاف نهاره ، مع أن المال بين يديه كثير، والطعام وفير!! ألا رحم الله بطلنا الشهيد عمر المختار، ذلك الثائر حقًا والزعيم بحق ، ورحم من قال في رثائه:

خيرت فاخترت المبيت على الطوى = لم تبن جاهًا أو تلم ثراء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت