من غلبت آحادُه أعشارَه الشيخ الأمين الحاج محمد أحمد*
"كل عبادي يدخلون الجنة إلا من أبى"، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال:"من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى"فضائل الله على هذه الأمة كثيرة، وآلاؤه عظيمة، من ذلك أن عوضها عن قصر أعمارها بالنسبة لمن سبقها من الأمم بكثرة مواسم الخير، وبمضاعفة الأجور والحسنات، وبرفع الحرج عنها، والآصار والأغلال التي كانت على من قبلها.من ذلك تضعيف الحسنات، وغفران الزلات، وتبديل السيئات حسنات.فمن جاء بحسنة واحدة فله أحد ثلاثة أمور:
إما عشر أمثالها.
وإما سبعمائة ضعف.
وإما إلى ما شاء الله.
لا فرق بين الإنفاق في سبيل الله وغيره، بل هناك أعمال يوفى أصحابها بغير حساب، كالصوم.ومن هَمَّ بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، ومن هَمَّ بسيئة فعملها كتبت له سيئة، وإن تركها من أجل الله كتبت له حسنة.ومن اقترف سيئة فله أحد ثلاثة أمور كذلك:
إما أن تكتب له سيئة.
وإما أن يغفرها الله له.
وإما أن تستبدل له حسنة.
قال تعالى:"مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ".وقال:"مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ".وقال:"مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ".وقال:"إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ". وفي الخبر المرفوع:"الحسنة بعشر أمثالها أوأزيد، والسيئة واحدة وأغفر، فويل لمن غلبت آحادُه أعشارَه".آية البقرة السابقة تبين أن التضعيف إلى سبعمائة ضعف وإلى ما شاء الله خاص بنفقة الجهاد في سبيل الله، والخبر يوضح أن الزيادة على العشرة يشمل جميع أعمال الخير، وليس هذا على الله بعزيز.قال القرطبي رحمه الله: (ورد القرآن بأن الحسنة في جميع أعمال البر بعشر أمثالها، واقتضت هذه الآية أن نفقة الجهاد حسنتها بسبعمائة ضعف، واختلف العلماء في معنى قوله:"وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء"، فقالت طائفة: هي مبينة مؤكدة لما تقدم من ذكر السبعمائة، وليس ثم تضعيف فوق السبعمائة، وقالت طائفة من العلماء: بل هي إعلام بأن الله يضاعف لمن يشاء أكثر من سبعمائة ضعف. قلت:(وهذا القول أصح)
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله:(فجزاء السيئة سيئة واحدة مثلها، وجزاء الحسنة على أقل التقديرات عشرة أمثال، فمن غلبت آحادُه عشراتِه فلا خير فيه، ولا يهلك على الله إلا هالك، لأن هذه الحنيفية السمحة التي جاء بها سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام، هيأ الله فيها طريق الجنة ويسرها تيسيرًا عجيبًا، رفع فيها الأثقال والآصار والتكاليف، من شق عليه السفر فليفطر، وليقصر الصلاة، ومن لم يقدر على الصلاة قائمًا صلى قاعدًا، وهكذا في أنواع التخفيف، فمع هذا فالحسنة تكتب له بعشر حسنات، والسيئة إنما تكتب عليه واحدة مثلها، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، بل قد تكون حسنة إن كان تركه لها لأجل ابتغاء مرضاة الله.
فهذه الآيات من أعظم المبشرات للمسلمين، لأن جميع حسناتهم عند الوزن الذي قال الله:"وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ"، إذا كانت حسنتك تضاعف عشر مرات، وسيئتك إنما تجازى بسيئة واحدة مثلها، ففي هذا أعظم البشارة للمسلمين، وعليهم أن يكثروا من الحسنات، ومن الحكم العظيمة وجوامع الكلم قوله صلى الله عليه وسلم:"واتبع الحسنة السيئة تمحها"). لقد كثر الله سبل دخول الجنة ويسرها حتى جعلها أقرب لأحدنا من شراك نعله لمن وفقه الله، وكذلك النار أقرب لأحدنا من شراك نعله لمن لم يلطف به ربه، وأتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني الكاذبة.فالسعيد من جد وشمَّر، وحاسب نفسه، وراقب حاله، وأكثر من الحسنات، وحذر من السيئات، واستعان على ذلك بكثرة التوبة والإنابة لرب الأرض والسموات، وعافاه الله من التسويف.اللهم إنا نسألك الجنة وما يقرب إليها من قول أوعمل، ونعوذ بك من النار وما يقرب إليها من قول أوعمل، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وصلى الله وسلم على من دل أمته على كل خير، وحذرهم ونهاهم عن كل شر، وعلى آله، وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان، إلى أن تكتمل العدتان.