قراءة في كتاب ما بعد الأمبراطورية لإيمانويل تود د. بسطامي محمد خير*
مقدمة
من الحقائق اليقينية عند كل عاقل أن الدول دول ، والتاريخ دورات متعاقبة مصداقا لقول الله تعالى ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) ، وكم من دول كثيرة وممالك عظيمة قامت وسادت ثم دالت وزالت .
والقرآن ملئ بالشواهد التاريخية والتجارب البشرية الدالة على تحقق هذه السنة الإلهية في ظهور الدول وعلوها ثم ضعفها واضمحلالها . ونحن نقرأ فيه مثلا قول الله تعالى: (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا) وقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى الْبِلَادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِى الاٌّ وْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْاْ فِى الْبِلَادِ فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) . ولقد اهتم المؤرخون المسلمون بدراسة أسباب نشأة الدول وتأسيسها وعوامل ضعفها وهرمها ، من أولئك ابن خلدون في مقدمة تاريخه المشهورة وتلميذه ابن الأزرق في كتابه المعروف . ثم انتقل هذا العلم إلى الغربيين ومن أشهر من كتب في ذلك من المعاصرين المؤرخ الانجليزي آرنولد توينبي الذي درس أكثر من ثلاثين حضارة وحاول تحليل عوامل نهضتها وسقوطها .
وهناك دراسات كثيرة في هذا المجال ، ومن هذه الدراسات كتاب ذاع صيته في الغرب وتصدر قائمة الكتب الأكثر مبيعا لفترة طويلة ، وهو كتاب (ما بعد الإمبراطورية عوامل إنهيار النظام الأمريكي ) لايمانويل تود الذي يتحدث عن عوامل ضعف الولايات المتحدة الأمريكية ويتنبأ بانهيارها الوشيك . وتأتي غرابة الكتاب ووجه العجب فيه أنه يأتي في وقت لا يكاد يخطر في بال أحد أن هذا العملاق القوي الضخم الذي قد وصل إلى أوج هيمنته على العالم وسيطرته ونفوذه على البلاد والشعوب ، يمكن أن يهوي ويسقط .
ولا شك أن نشأة الدولة الأمريكية الحديثة ونهضتها السريعة وسيادتها وقيادتها للعالم ، أمر فريد ومتميز فقد اكتشفت أمريكا في الوقت الذي بدأت فيه أوربا تقدمها الحديث في عصورها الوسطى ، واندفع إليها المهاجرون من كل حدب وصوب ، تحركهم دوافع شتى من ابتغاء الرزق والثراء ، وطلب العدل والحرية والفرار من الظلم والاستبداد . ووجدوا فيها أرضا بكرا وسهلا ممهدا ترعرعت فيه افضل ما عرفه العقل الأوربي من أفكار ونظم ومخترعات ومكتشفات وتجمعت فيها الخبرات والثروات. وحين استقلت الدولة الأمريكية عن بريطانيا في العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر الهجري ، بدأت تشق طريقها نحو الصعود حتى استوت على ساقها واشتد ساعدها وصارت قوة عالمية عظمي علميا وعسكريا واقتصاديا وسياسيا . وصار تأثيرها واضحا في صنع التاريخ المعاصر منذ الحرب العالمية الأولى ، وتبوأت مكانة القطب الأعظم منذ الحرب العالمية الثانية ، وصارت القطب الأوحد منذ انهيار القطب السوفيتي قبل عشرين سنة .
ورغم هذه القوة الظاهرة والهيمنة العالمية الفائقة لأمريكا ، فإن سيلا من الكتب والبحوث بأيدي أمريكين وأوربيين بدأت تظهر معلنة بداية نهايتها ، ومع اختلاف منطلقات هذه الكتب ومناهجها واتجاهاتها إلا أنها تخلص إلى نتيجة واحدة هي أن أمريكا تسير نحو السقوط .
ويعرض الكتاب الذي بين أيدينا في مقدمته بعض هذه الكتب ليبين أوجه الاختلاف بينه وبينها . ويأتي في مقدمة هؤلاء (أعداء أمريكا التقليديون) ، ومن أمثلتهم المشهورة المفكر الأمريكي نعيم شومسكي ، وبقايا اليساريين ومناهضي العولمة على اختلاف مشاربهم وبلدانهم الذين يرون أن أمريكا قوة خارقة لكنها شريرة بطبيعتها وتجتمع فيها سوءأت النظام الرأسمالى ، ومهما ازدادت قوتها وتصاعدت فإن المتناقضات التي بداخلها لا بد أن تهوي بها . ومن الأسماء البارزة في التنبؤ بضعف النظام الأمريكي وسيره نحو الهبوط ، كتب ومقالات ظهرت في العقدين الماضيين من كتاب ومفكرين من داخل المؤسسة الحاكمة في أمريكا ، منهم بول كينيدي وروبرت غيلبن من زاوية اقتصادية ، و صموئيل هنتنغتون من زاوية ثقافية دينية ، وهنري كسنجر وبريجينسكي من زاوية سياسية . وقد أجمع هؤلاء على أن هيمنة أمريكا العالمية قد بدات العد التنازلي ، ويصفونها بأنها امبراطورية تنهار ، لأنها لا تستطيع أن تصمد طويلا أمام التنمية البشرية والاقتصادية الصاعدة لدول العالم الأخرى .