ومما يميز كتاب ما بعد الامبراطورية الذي بين أيدينا ، أنه معتدل في بظرته غير متحامل ، ولا ينطلق من دوافع عاطفية أو تحيز سياسي ، بل يعتمد التحليل العلمي القائم على الإحصائيات وطرق البحث المتبعة في العلوم الاجتماعية . وهو لا يذهب في نظرته إلى التطرف الذي يحلم بزوال أمريكا من خريطة العالم ، ولكنه يذهب إلى أنها ستصبح خلال عقود قليلة دولة مشغولة بمشكلاتها الداخلية وسوف يضعف دورها العالمي من الدولة العظمى الوحيدة ، إلى دولة مماثلة لمكانة الدول الأخرى إن لم تكن أقل منها ، وسوف يكون المنافس الأقوى منها ما يسميه كتلة أوراسيا التي تشمل أوربا وروسيا واليابان والصين . وفي نظر الكاتب أن أمريكا قد بلغت أوج قوتها وعظمتها وشكلت إمبراطورية بمعنى الكلمة خلال الخمسين سنة الممتدة من الحرب العالمية الثانية إلىعام 1990 ، ولكنها خلال العقدين الماضيين قد دخلت مرحلة ما بعد الإمبراطورية وأنها تسير نحو الهرم والضعف بخطى حثيثة ، ولهذا جعل عنوان كتابه"ما بعد الإمبراطورية". ومؤلف الكتاب هو إيمانويل تود ، فرنسي من أصول أمريكية ، درس العلوم السياسية ونال الدكتوراة في التاريخ من جامعة كمبردج باتجلترا ، ويعمل باحثا متخصصا في المعهد الوطنى للدراسات السكانية في باريس . وبهذا تجمعت لدية خبرات في السياسة والتاريخ والدراسات السكانية . وقد ادهش تود العالم عام 1976 بكتاب عنوانه"السقوط الأخير"تنبأ فيه بتضعضع الإتحاد السوفيتي ، ليس بسبب الضغوط الأمريكية أو الأوربية ، بل اعتمادا على تحليل علمي مثل اتجاهات السكان في روسيا ، وخاصة معدلات وفيات الأطفال العالية آنذاك ، كمؤشر على تدني المستوى الصحي في الدولة ، وعلى اتجاهات الاقتصاد المنخفضة في الانتاج وغيره . وخلص أن هذا التعفن الداخلى للاتحاد السوفيتي سوف يعصف به في النهاية ، وأنه مهما بدا عملاقا في ظاهره إلا أن فرعون في حقيقته عار تماما . ولم تمض سنوات حتى صدقت نبؤة تود وانهار الاتحاد السوفيتي . وبمثل هذا التحليل يخلص تود إلى أن أمريكا لن تظل على حالها وأنها ستسقط على الاكثر قبل عام 2050 . فما العوامل التي تجعله واثقا في استقرائه للمستقبل هكذا ؟
يرجع تود تقهقر قوة الولايات المتحدة إلى ثلاثة عوامل أساسية: عسكرية واقتصادية وثقافية . ويدعي تود أن من المدهش حقا أن هذه الجوانب الثلاثة هي ذاتها التي تزهى بها أمريكا أمام العالم وتدعى أنها أسباب قوتها ، وتخيل بها للناس أنها عملاق لا يغالب . ولهذا فإن تود يصف ذلك بقوله أن أمريكا بهذا الزخرف والزينة لشكلها الخارجي تتحول من شبه إمبراطورية حقيقية في حقبة ازدهارها إلى ما قبل العقد الأخير من القرن العشرين ، إلى إمبراطورية مظهرية زائفة ، تبدو منتفخة ولكنها في حقيقتها واهية هشة ومتآكلة .
هل يصدق أحد أن أمريكا ضعيفة عسكريا؟ يورد تود بعض الحجج لدعم رأيه . مما لا شك فيه أن أمريكا تملك ترسانة ضخمة من العتاد الحربي لا يقارن بأي دولة أخرى ولا دول أوربا مجتمعة ، ولكنها فيما يبدو ليست لديها أية ثقة في جنودها ومقدراتهم القتالية الأرضية ، وقد كشفت الحروب الصغيرة الأخيرة التى خاضتها في الصومال ولبنان وخاصة فيتنام ، هذا الضعف البشري الذي لا يبدو أنها تستطيع معالجته . ومن أجل النصر تستخدم تفوقها الخارق في المجال الجوى والضرب بعيد المدى ، ولا تهاجم إلا دولا ضعيفة لا تستطيع حيلة ولا تجد سبيلا لصد عدوانها ، وتحشد لها مع هذا الحلفاء والأتباع من إجل هزيمتها بالرعب والخوف . وقد أضحى هذا الأسلوب الأمريكى في القتال هو المفضل وهو ما استخدمته في إفغانستان وفي العراق رغم كثرة عدد ضحاياه بين المدنيين ، وثمنه الباهظ وتكاليفه الخرافية إذ يحتاج لصنع تقنية متطورة ومتقدمة تلحق خسائر فادحة بالأعداء ولا تستطيل يدهم لالحاق الأذى بها . وهكذا تضطر الولايات المتحدة لأن تقدم نصيب الأسد من ميزانيتها من أجل ترسانة سلاحها ، وخاصة أن استراتجيتها العسكرية قد فرضت عليها أن تنشر قواتها في بقاع متناثرة من المعمورة . وتبين الإحصائيات أن لأمريكا قواعد عسكرية في أكثر من ثلاثين بلد من ألمانيا في وسط أوربا إلى اليابان في أقصى الشرق ، ومن دول شرق أوربا الشيوعية السابقة إلى الشرق الأوسط ، ومن أمريكا اللاتينية إلى شرق آسيا . وينوء الاقتصاد الأمريكي بهذا الحمل الثقيل العبء الضخم الذي لا يستطيع منه فكاكا مما يزيد أزمته وورطته . ورغم تخفيض الصرف العسكري ما بين عامي 1990 و1995 إثر تعالي المعارضة الشعبية ، إلا أن الصرف عاد إلى مستويات عليا بعد ذلك .