فهرس الكتاب

الصفحة 4576 من 27345

أ.د. ناصر بن سليمان العمر*

أولًا: العمل الإسلامي بين الاختلاف والافتراق

مقدمة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

فلا يخفى على كل مسلم بصير ما تعيشه أمة الإسلام من شتات وفرقة، واختلافات أوجبت عداوة وشقاقًا، إذ تجاذبت أهلها الأهواء، وتشعبت بهم البدع، وتفرقت بهم السبل، فلا عجب أن تراهم بين خصومة مذهبية، وحزبية فكرية، وتبعية غربية أو شرقية.. والنتيجة صوّرها قول المولى عز وجل: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) .

وإذا كان المسلمون اليوم يلتمّسون الخروج من هذا المأزق فلا سبيل إلاّ بالاعتصام بحبل الله المتين وصراطه المستقيم، مجتمعين غير متفرقين، متعاضدين غير مختلفين.

ويكون ذلك بتوحيد الهدف والغاية، مع حسن النية وسلامة القصد، قال ابن القيم رحمه الله:"ووقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه؛ لتفاوت إرادتهم وأفهامهم وقوى إدراكهم، ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعدوانه، وإلا فإذا كان الاختلاف على وجه لا يؤدي إلى التباين والتحزب، وكل من المختلفين قصده طاعة الله ورسوله؛ لم يضر ذلك الاختلاف فإنه أمر لا بد منه في النشأة الإنسانية، ولكن إذا كان الأصل واحدًا والغاية المطلوبة واحدة، والطريق المسلوكة واحدة؛ لم يكد يقع اختلاف، وإن وقع كان اختلافًا لا يضر كما تقدم من اختلاف الصحابة، فإن الأصل الذي بنوا عليه واحد، وهو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والقصد واحد وهو طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والطريق واحد وهو النظر في أدلة القرآن والسنة، وتقديمها على كل قول ورأي وقياس وذوق وسياسة" ( [1] ) .

والاختلاف موضوع الحديث هو:"نقيض الاتفاق. جاء في اللسان ما مفاده: اختلف الأمران لم يتفقا. وكل ما لم يتساو فقد اختلف. والخلاف: المضادة، وخالفه إلى الشيء عصاه إليه، أو قصده بعد أن نهاه عنه. ويستعمل الاختلاف عند الفقهاء بمعناه اللغوي وكذلك الخلاف"، وبعض الفقهاء فرَّق بين الاختلاف والخلاف باصطلاحات خاصة، أما" (الافتراق) (والتفرق) (والفرقة) فبمعنى أن يكون كل مجموعة من الناس وحدهم. ففي القاموس: الفريق القطيع من الغنم، والفريقة قطعة من الغنم تتفرق عنها فتذهب تحت الليل عن جماعتها. فهذه الألفاظ أخص من الاختلاف".

فليس كل اختلاف افتراقًا، وكل افتراق اختلاف، وليس شرطًا أن يكونا مذمومين على ما سيأتي بيانه وإن كان الغالب ذم أهل الفرقة والاختلاف.

أقسام الاختلاف

الاختلاف ينقسم إلى أقسام عدة باعتبارات مختلفة وفيما يلي أهمها:

انقسام الاختلاف باعتبار مدح أصحابه وذمهم:

قال ابن القيم في الصواعق:"الاختلاف في كتاب الله نوعان:"

أحدهما: أن يكون المختلفون كلهم مذمومين، وهم الذين اختلفوا بالتأويل، وهم الذين نهانا الله سبحانه عن التشبه بهم في قوله: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا) [سورة آل عمران:105] ، وهم الذين تسودُّ وجوههم يوم القيامة، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: (ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد) [سورة البقرة:176] ، فجعل المختلفين كلهم في شقاق بعيد، وهذا النوع هو الذي وصف الله أهله بالبغي، وهو الذي يوجب الفرقة والاختلاف وفساد ذات البين، ويوقع التحزُّب والتباين.

والنوع الثاني: اختلاف ينقسم أهله إلى محمود ومذموم، فمن أصاب الحق فهو محمود، ومن أخطأه مع اجتهاده في الوصول إليه فاسم الذم موضوع عنه، وهو محمود في اجتهاده معفوٌّ عن خطئه، وإن أخطأه مع تفريطه وعدوانه فهو مذموم.

ومن هذا النوع المنقسم قوله تعالى: (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر) [سورة البقرة:253] ، وقال تعالى: (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله) [سورة الشورى:10] .

والاختلاف المذموم كثيرًا ما يكون مع كل فرقة من أهله بعض الحق فلا يقرُّ له خصمه به، بل يجحده إياه بغيًا ومنافسة، فيحمله ذلك على تسليط التأويل الباطل على النصوص التي مع خصمه، وهذا شأن جميع المختلفين بخلاف أهل الحق فإنهم يعلمون الحق من كل من جاء به، فيأخذون حق جميع الطوائف ويردون باطلهم، فهؤلاء الذين قال الله فيهم: (فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) [سورة البقرة:213] ، فأخبر سبحانه أنه هدى عباده لما اختلف فيه المختلفون.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: (( اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون؛ اهدني لما اختلف فيه من الحق، بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت