فهرس الكتاب

الصفحة 4577 من 27345

فمن هداه الله سبحانه إلى الأخذ بالحق حيث كان ومع من كان ولو كان مع من يبغضه ويعاديه ورد الباطل مع من كان ولو كان مع من يحبه ويواليه فهو ممن هدى لما اختلف فيه من الحق، فهذا أعلم الناس، وأهداهم سبيلًا، وأقومهم قيلًا، وأهل هذا المسلك إذا اختلفوا فاختلافهم اختلاف رحمة وهدى، يقرُّ بعضهم بعضًا عليه ويواليه ويناصره، وهو داخل في باب التعاون والتناظر الذي لا يستغني عنه الناس في أمور دينهم ودنياهم، بالتناظر والتشاور وإعمالهم الرأي وإجالتهم الفكر في الأسباب الموصلة إلى درك الصواب فيأتي كل منهم بما قدحه زناد فكره وأدركته قوة بصيرته، فإذا قوبل بين الآراء المختلفة والأقاويل المتباينة، وعُرضت على الحاكم الذي لا يجور وهو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتجرد الناظر عن التعصب والحمية، واستفرغ وسعه، وقصد طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ فقلَّ أن يخفى عليه الصواب من تلك الأقوال، وما هو أقرب إليه، والخطأ، وما هو أقرب إليه، فإن الأقوال المختلفة لا تخرج عن الصواب، وما هو أقرب إليه، والخطأ، وما هو أقرب إليه، ومراتب القرب والبعد متفاوتة، وهذا النوع من الاختلاف لا يوجب معاداة، ولا افتراقًا في الكلمة، ولا تبديدًا للشمل؛ فإن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في مسائل كثيرة من مسائل الفروع، كالجد مع الإخوة، وعتق أم الولد بموت سيدها، ووقوع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة، وفي الخلية والبرية والبتة، وفي بعض مسائل الربا، وفي بعض نواقص الوضوء وموجبات الغسل، وبعض مسائل الفرائض وغيرها، فلم ينصب بعضهم لبعض عداوة، ولا قطع بينه وبينه عصمة، بل كانوا كل منهم يجتهد في نصر قوله بأقصى ما يقدر عليه، ثم يرجعون بعد المناظرة إلى الألفة والمحبة والمصافاة والموالاة، من غير أن يضمر بعضهم لبعض ضغنًا، ولا ينطوي له على معتبة ولا ذم، بل يدل المستفتي عليه مع مخالفته له، ويشهد له بأنه خير منه وأعلم منه، فهذا الاختلاف أصحابه بين الأجرين والأجر، وكل منهم مطيع لله بحسب نيته واجتهاده وتحريه الحق" ( [2] ) ."

وهذا النوع من الاختلاف بهذا المسلك الذي ذكره يراه بعض أهل العلم ــ كالشاطبي رحمه الله ــ يرجع في الحقيقة إلى وفاق:"فإن الاختلاف في بعض المسائل الفقهية راجع إما إلى دورانها بين طرفين واضحين يتعارضان في أنظار المجتهدين، وإما إلى خفاء بعض الأدلة، أو إلى عدم الاطلاع على الدليل. وهذا الثاني ليس في الحقيقة خلافًا، إذ لو فرضنا اطلاع المجتهد على ما خفي عليه لرجع عن قوله، فلذا يُنْقَض لأجله قضاء القاضي. أما الأول فإن تردده بين الطرفين تحرٍ لقصد الشارع المبهم بينهما من كل واحد من المجتهدين، واتباع للدليل المرشد إلى تعرف قصده. وقد توافقوا في هذين القصدين توافقًا لو ظهر معه لكل واحد منهما خلاف ما رآه لرجع إليه، ولوافق صاحبه. وسواء قلنا بالتخطئة أو بالتصويب،إذ لا يصح للمجتهد أن يعمل على قول غيره وإن كان مصيبا أيضًا. فالإصابة على قول المصوِّبة إضافية. فرجع القولان إلى قول واحد بهذا الاعتبار. فهم في الحقيقة متفقون لا مختلفون. ومن هنا يظهر وجه التحابِّ والتآلف بين المختلفين في مسائل الاجتهاد; لأنهم مجتمعون على طلب قصد الشارع، فلم يصيروا شيعًا، ولا تفرقوا فرقًا" ( [3] ) .

فلو نظرت هذا النوع من الاختلاف الذي حمده الشاطبي وابن القيم وغيرهم من أهل العلم وجدت الحمد منصبًا على اتفاق المختلفين في مراعاتهم قصد الشارع، وطلبهم لمراده، واتباعهم الدليل الذي ظهر منهم، ومن هذه الجهة جاء مدح مثل هؤلاء المختلفين.

ويتبع للتقسيم الذي سبق"نوع آخر من الاختلاف:"

وهو وفاق في الحقيقة، وهو اختلاف في الاختيار والأولى، بعد الاتفاق على جواز الجميع، كالاختلاف في أنواع الأذان، والإقامة، وصفات التشهد، والاستفتاح، وأنواع النسك الذي يحرم به قاصد الحج والعمرة، وأنواع صلاة الخوف، والأفضل من القنوت أو تركه، ومن الجهر بالبسملة أو إخفائها، ونحو ذلك، فهذا وإن كان صورته صورة اختلاف فهو اتفاق في الحقيقة" ( [4] ) ."

انقسام الاختلاف باعتبار المسائل المختلف فيها:

(1) اختلاف صوري:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت