فهرس الكتاب

الصفحة 1173 من 27345

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله . ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ? [آل عمران: 102 .] ? يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ً? [ النساء: 1] والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف الأنبياء والمرسلين ، الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فجزاه الله خير ما جازى نبيًا عن أمته . وبعد:

ما أحوج الأمة الإسلامية اليوم إلى الأخذ بالقواعد والأسس التي أرسى دعائمها محمد رسول الله r في بناء وإقامة المجتمع والأمة والدولة. فما أن استقر رسول الله r في المدينة بعد الهجرة حتى أخذ في بناء المجتمع الجديد الذي تعلو فيه كلمة الله تعالى، ويسري فيه الهدي النبوي تربية وسلوكًا وطاعة وحبًا.

فكان أول شيء بدأ فيه هو بناء المسجد الذي كانت تؤدى فيه الصلاة ويدرس فيه العلم، وتعقد فيه الرايات وتناقش في حرمه الأزمات، ويأوي إليه المسلمون إذا حز بهم أمر. إن النهوض برسالة المسجد مقياس لحرارة الإيمان لدى الفرد وتعبير عن الارتباط العضوي بجماعة المسلمين.

وكانت الخطوة الثانية بعد بناء المسجد هي المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.. كان المهاجرون قد تركوا بلدهم تاركين الأهل والولد والدور والقصور والمال مجردين من كل شيء إلا من الإيمان . ولا شك أن هذا قد ترك في أنفسهم وحشة وغربة، فلما قدم رسول الله r المدينة آخى بين أصحابه ليذهب عنهم تلك الوحشة ويؤنسهم وليشد بعضهم أزر بعض وليرسي للأمة الإسلامية قاعدة مهمة في حياتها إنها قاعدة الحب والأخوة التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي السليم ، حتى شبهه الرسول r بالجسد الواحد فقال r:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" (1) .

إن أي دولة لا يمكن أن تنهض وتقوم إلا على أساس من وحدة الأمة وتساندها وتعاونها .. ولا يتحقق ذلك إلا بالتآخي والمحبة المتبادلة. على أن التآخي لابد أن يكون مسبوقًا بعقيدة يتم اللقاء عليها والإيمان بها. ولذلك رأينا رسول الله r جعل أساس الأُخوة التي جمع عليها أصحابه هي العقيدة الإسلامية التي جاءهم بها من عند الله والتي تضع الناس كلهم في مصاف العبودية الخالصة لله تعالى دون اعتبار لأي فارق إلا فارق التقوى والإيمان والعمل الصالح. إذ من المستحيل أن يسود الحب والإخاء والتعاون والإيثار بين أناس شتتهم العقائد والتصورات والأفكار المختلفة والمتباينة كما هو حال أمتنا اليوم في سوادها الأعظم.

إن الأخوة التي عقدها رسول الله r بين أصحابه لم تكن مجرد شعار، وإنما كانت حقيقة عملية تتصل بواقع الحياة في كافة جوانبها. لقد جعل r تلك الأخوة مسؤولية حقيقية تترجم في الواقع أقوالًا وأعمالًا وسلوكًا، ولقد ضرب الأنصار رضي الله عنهم أروع الأمثلة في ميدان النصرة والكرم والمواساة والإيثار. وإليكم نماذج من ذلك الذي وقع في عالم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

إننا حينما نتأمل فيما قام به الأنصار رضي الله عنهم تجاه النبي r والمهاجرين لنتعجب مما فعله هؤلاء القوم، ولو ذهبنا نلتمس الأسباب، فلن نجد إلا مسبب الأسباب وهو أن ذلك كان بفضل الله ورحمته لا بصنع بشر وحكمته وسياسته وصدق الله حيث قال: ?وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) ? [الأنفال:63] .

فلم يلتق النبي r بالأنصار إلا في سويعات تحت جنح الليل واكتفى فيها بعرض الإسلام، وأخذ العهود والمواثيق، ولم يطل لقاؤه معهم قبل الهجرة حتى يكون هذا الذي فعلوه بسبب تربية النبي إياهم، وطول تعهده لهم كما فعل تجاه المهاجرين حتى كون منهم رجالًا. لم يكن بين دخول الأنصار الإسلام وقيامهم بهذه المآثر إلا أقل من عام. إنهم قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، لقد فتحوا للمهاجرين قلوبهم قبل أن يفتحوا لهم بيوتهم، ووسعوهم بصدورهم قبل أن يسعوهم بأموالهم، وتسابقوا إلى لقائهم وإكرامهم وضربوا في باب الإيثار ، وسخاء النفس، وكرم الطبع مثلًا عليا لا تزال تذكرها لهم الأجيال المتعاقبة، بالإكبار والإعظام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت