روى البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله r آخى بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري -وكان كثير المال- فقال سعد قد علمت الأنصار أني من أكثرها مالًا، سأقسم مالي بيني وبينك شطرين ، ولي امرأتان انظر أعجبها إليك، فأطلقها حتى إذا ما انتهت عدتها تزوجتها. فقال عبد الرحمن بن عوف بارك الله لك في أهلك ومالك، ولكن دلني على السوق، فدله على السوق ، فباع وابتاع حتى صار له مال. (2)
وهكذا ضرب سعد بن الربيع مثلًا فريدًا في الكرم والإيثار وضرب عبد الرحمن بن عوف مثلًا عاليًاُ في عزة النفس والرغبة في العمل والاكتساب، وقد فتحت له الدنيا بعد، حتى كان من أثرى الأثرياء . وما سعد بن الربيع إلا صورة مشرقة ومثالًا من أمثلة الأنصار الكرام. فقد ضربوا جميعهم أروع الأمثلة في ميدان الكرم والمواساة، حتى جاء المهاجرون إلى رسول الله r خائفين أن يكون ذلك مُذهبًا لأجرهم، فقالوا: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلًا في كثير، لقد كفونا المؤنة وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله. قال:"لا، ما أثنيتم عليهم، ودعوتم الله لهم" (3) .
ومن صور إيثارهم رضوان الله عليهم ما رواه ابن عباس t قال: قال رسول الله r يوم النضير للأنصار:"إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم، وتشاركونهم في هذه الغنيمة ، وإن شئتم كانت لكم أموالكم ودياركم ولم نقسم لكم شيئًا من الغنيمة"، فقال الأنصار: بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها!! (4) "."
يا لها من نفوس أبية، ويا له من كرم وإيثار ، ويا له من سخاء ، لقد كان جزاؤهم من الله أن أنزل فيهم قرآنًا يتلى إلى يوم الدين ، ثناءً عليهم وبيانًا لمنزلتهم ومكانتهم، قال سبحانه فيهم: ?وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (9) ? [الحشر:9] .
إن البشرية في تاريخها الطويل لم تشهد حادثًا جماعيًا كحادث استقبال الأنصار للمهاجرين، بهذا الحب الكريم، وبهذا البذل السخي، وذاك الإيثار العجيب مع طيب نفس وسماحة. لقد قام الأنصار الكرام رضوان الله عليهم بواجبات تلك الأخوة من التزامات واستمر أداؤهم كذلك. وظلت حقوق هذا الإخاء مقدمة على حقوق القرابة حيث كانوا يتوارثون فيما بينهم حتى وسع الله على المسلمين ونزلت الآية الكريمة: ?...وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75) ? [الأنفال:75] ، فنسخ التوارث، وأقر المودة والحب بينهم.
أرسل عمر بن الخطاب t إلى بلال t وقد خرج إلى الشام فأقام بها مجاهدًا، يسأله إلى من تجعل ديوانك يا بلال؟ قال مع أبي رويحة ، لا أفارقه أبدًا، للأخوة التي كان رسول الله r عقد بيني وبينه.
لقد أثنى رسول الله r على موقف الأنصار من إخوانهم المهاجرين وبين مناقبهم وفضلهم فقال رسول الله r:"لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار" (5) ، وجعل حبهم علامة الإيمان، وبغضهم علامة النفاق، فقال:"آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار" (6) وقال:"الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله" (7) .
وما أجمل قول الله عز وجل في وصفهم: ?وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10) ? [الحشر:9-10] .
هذا حال القوم وهذه أخوتهم وأوصافهم فأين نحن منهم. فاعرفوا لهم قدرهم واسلكوا سبيلهم فإنهم كانوا على الحق المبين.