رئيسي:الدعوة:
وقف المشركون من دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم موقفًا لا يتغير في جوهره وهدفه، فهو العداء المستحكم، والسعي الحثيث إلى قتل الدعوة في مراحلها المختلفة، إلا أن هذا الهدف قد ظهر في صور متعددة تتخذ مرحليّة جلية في العداء. وسنلقي الضوء على أهم تلك الصور، ونشير إلى المرحلية التي سلكها المشركون في العداء، معرجًا على موقف أهل الحق - متمثلين في رسول الله وصحبه - من هذه الصور المختلفة.
1-مرحلة عدم الاكتراث بالدعوة:
بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة منذ أن نزل عليه: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [1] قُمْ فَأَنْذِرْ [2] } [سورة المدثر] وكانت دعوته في بادىء الأمر سرية، فقد كان يتخير من يتوسم فيه القبول فيسرُّ له بأمر الدعوة، وهكذا خفي على المشركين الكثير من أتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولكنهم لم يخف عليهم أن للرسول دعوة إلا أن الرسول- وهو في بداية أمره- لم يواجه قومه بتسفيه ما هم عليه، فلم ينشأ عندهم الشعور القوي بالخطر من دعوته، فكان من أثر ذلك أنهم لم يكترثوا بأمره.
جاء في سيرة ابن هشام: 'فلما نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه بالإسلام، وصدع به كما أمره الله لم يبعد عنه قومه ولم يردوا عليه، حتى ذكر آلهتهم وعابها، فلما فعل ذلك أعظموه، وناكروه، وأجمعوا خلافه وعداوته' [تهذيب سيرة ابن هشام / 55] .
وهكذا الأمر دائمًا، عندما لا يشعر أهل الباطل بأن في دعوة الحق خطرًا عليهم، فإنهم لا يبدون اكتراثًا بأمرهم- وإن كانوا لا يخفون بغضهم وكراهيتهم واستهزاءهم بالحق وأهله- ولكن أنى لدعوة أن تنتشر ويظهر أمرها، وتقوم بالأمانة المنوطة بها، وهي تستر ركنًا عظيمًا من أركانها وهو الكفر بالطاغوت- قد يكون هذا ممكنا في حق فرد، ولكنه لا يكون في حق دعوة بأكملها- .
2 -المحاولات غير المباشرة لإسكات الرسول صلى الله عليه وسلم:
ولما أعلن الرسول كفره بآلهتهم، وتسفيه معتقداتهم، حاول المشركون أن ينهوا الأمر بمحاولة إسكاته عن القيام بدعوته، وذلك عن طريق عمه أبى طالب، فمن ذلك طلبهم منه في المرة الأولى أن يكف ابن أخيه عنهم، أو يتركهم ليروا أمرهم فيه، فردهم أبو طالب ردًا جميلًا. [التهذيب / 55] .
ولما لم تثن تلك المحاولة الرسول عن عزمه حاولوا مرة أخرى بلهجة أشد. [التهذيب / 56 ] وكان جواب الرسول صريحًا وقاطعًا في أنه لا أمل في ثنيه عن دعوته: [والله ما أنا بأقدر أن أدع ما بعثت به من أن يشعل أحدكم من هذه الشمس شعلة من نار] [التعليق على فقه السيرة / 110] .
3 -صياغة الاتهامات لتضليل العامة:
ولما أيقنت قريش أنها لا تستطيع ثني الرسول عن الصدع بدعوته، حولت جُلَّ جهودها إلى إنشاء مناعة عند عامة العرب ضد الإيمان به، أو حتى الاستماع إليه، فاجتمعت قريش قبل موسم الحج بزعامة الوليد بن المغيرة لصياغة الاتهامات المناسبة لصد الوفود عن الاستماع إلى الرسول 'فقال لهم: يا معشر قريش إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيًا واحدًا، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا، ويرد قولكم بعضه بعضًا' [التهذيب / 57] .
فتقلبت أقوالهم بين ساحر وكاهن وشاعر، ثم استقر رأيهم على اتهامه بالسحر، وإن كانوا في الحقيقة لم يستقروا على اتهام واحد: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ [8] } [سورة الذاريات] . وكان من مشيئة الله أن جعل من تلك الاتهامات والتحذيرات دعاية للدعوة: 'وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها' [التهذيب / 58] .
4 -مرحلة التعذيب لفتنة المؤمنين:
ولما لم تفلح تلك المحاولات في صد الناس عن الإيمان بالدين الجديد، تواصى المشركون فيما بينهم بالتفنن في التعذيب لرد من آمن بمحمد عن دينه، وقد لخص كبيرهم أبو جهل مخططهم في ذلك: 'وكان أبو جهل الفاسق.. إذا سمع بالرجل قد أسلم له شرف ومنعة أنّبه وأخزاه، وقال: تركت دين أبيك وهو خير منك لنسفهن حلمك، ولنفيِّلَنَّ رأيك، ولنضعن شرفك، وإن كان تاجرًا قال: والله لنكسدن تجارتك ولنهلكن مالك، وإن كان ضعيفًا أغرى به' [التهذيب / 71، 72] .
وبدأت مرحلة التعذيب الرهيب كفعل أبى جهل بآل ياسر، وأمية بن خلف ببلال، ويكفي في تصوير شدة هذا التعذيب ما يرويه سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم ؟ قال: نعم والله، إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسًا من شدة الضر الذي نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له: اللات والعزى إلهك من دون الله ؟ فيقول نعم، افتداء منهم مما يبلغون من جهده' [التهذيب / 72] .