ولقد أصاب الرسول صلى الله عليه وسلم في تلك المرحلة شيء من الأذى، كالذي فعله به عقبة بن أبى معيط حين وضع سلا جزور على رأسه وهو ساجد، وعندما اجتمع عليه المشركون حول الكعبة ففرقهم أبو بكر عنه.
والحقيقة أن التعذيب لم ينته عند مرحلة معينة، بل استمر طويلًا، إلا أن الهدف منه في المرحلة الأولى والدعوة في طفولتها كان المحاولة في رد الأتباع القلائل عن دينهم، وتخويف غيرهم من الدخول في الدين، لكن بعد أن قويت شوكة الدعوة كان التعذيب لمجرد الانتقام، ولتنفيس الغيظ والحنق الذي في نفوس المشركين، أو للأخذ بشيء من ثاراتهم من المسلمين، ومن ذلك ما فعله المشركون بخبيب حين صلبوه.
ولابد لنا هنا من وقفة عند أثر هذه المرحلة على أتباع الدعوة، وعلى سير الدعوة نفسها:
1-أخرجت تلك الابتلاءات نماذج عظيمة في الثبات على دين الله، والتضحية في سبيل العقيدة.
2-وكان فيها تربية صلبة للأصحاب أعدتهم رجالًا لتلك الدعوة، فوق ما ارتفعت به درجاتهم عند الله.
3-وزادت من الترابط بين أتباع الدين الجديد.
4-وأدت إلى شيء من تعاطف العامة من المشركين مع هؤلاء المستضعفين.
وهذه وغيرها مكاسب عظيمة للدعوة، كان الابتلاء سببًا مباشرًا لها.
ووقفة أخرى مع موقف الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يرى أتباعه يعذبون:
لقد أبدى الرسول شفقة حانية على أتباعه من المعذبين، فكان يثبتهم على مصابهم، ويعدهم الجنة، وكان يبحث عن كل ما من شأنه أن يخفف المصاب عن أتباعه من حلول عملية، فكان يأمر من أسلم من الضعفاء، أو ممن يخشى عليه الفتنة أن يكتم إسلامه عن أهله، ويأمر بعض من يأتيه من قبائل العرب مسلمًا أن يعود إلى قبيلته؛ لأنه لا سند له بمكة. ولما علم أن في الحبشة ملكًا لا يظلم أمرهم بالهجرة إليه فرارًا بدينهم.
إذن: كان الرسول يرفع من معنوياتهم، ويذكرهم بالأجر والثواب، ويؤكد نصر الله إياهم بعد حين، وفي نفس الوقت كان يبحث لهم عن حلول عملية تخفف من وقع الفتنة عليهم.. إن التعاطف والسعي لتخفيف وطأة التعذيب على المسلمين أمر مطلوب، وواجب على القيادة المسلمة تجاه أتباعها، أما التخلي عن شيء من المنهج- ولا أقول الأسلوب- تفاديًا للمواجهة، واتقاءً لبطش الجاهليين؛ فأمر لا يرضاه الله، وقد عصم منه رسوله، وللأسف فقد سقط في هذا المزلق بعض المخلصين بدافع إخلاصهم وشفقتهم على إخوانهم. ولا يجوز لأحد مهما بلغت به الفتنة أن يهادن في دين الله، أو يحرف في منهجه.
إن بعضهم-وقد شق عليهم ما نزل ببعض إخوانهم- قد بدءوا يبدون التميع، ويبدون التفاوض مع الجاهلية، بمبادئهم لتخفيف الوطأة على إخوانهم. وبدأوا ينطلقون من منطلق: 'كفانا أشلاء ودماء' وبدأ منهجهم يتكيف مع هذا المنطلق في جوهره وليس في أسلوبه فقط. إن أشلاء إخواننا ودماءهم غالية على كل مسلم غيور، ولكننا أيقنا أنها الثمن الذي أراده الله للنصر وللجنة.
إن الدعوة التي اشتدت عليها الفتنة، فبدأت تغير من منهجها؛ قد سقطت في الابتلاء الذي جعله الله سنة في الدعوات: الم [1] أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [2] وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [3] } [سورة العنكبوت] . أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [214] } [سورة البقرة] .
إن التربية التي ترسخ في النفوس أن الابتلاء سنة الله في الدعوات، مهمة جدًا:
مهمة للقادة حتى لا يسقطوا في الابتلاء، ويحرفوا المنهج تفاديًا لهم، فيضلوا ويضلوا.
مهم للأتباع حتى يثبتوا بتثبيت الله لهم عند الابتلاء، وحتى لا يتسبب ابتلاؤهم في صب جام غضبهم ولعنتهم على إخوانهم وعلى منهجهم؛ لأنه بزعمهم السبب فيما وقعوا فيه.