فهرس الكتاب

الصفحة 17414 من 27345

إن أي مسلم غيور، لتذهب نفسه حزنًا وهمًا على ما يصيب إخوانه في العقيدة، وهو مطالب بأن يبذل وسعه في سبيل التخفيف عنهم- وإن كان ما نقدمه حقيقة قليل جدًا، وذلك لتراكم الظلم من كل جهة، ولبخل بعضنا وقعودهم عن بذل كل إمكاناتهم وقدراتهم في سبيل نصرة إخوانهم- ولكن لا يجوز لنا أن يجرفنا الهم والحزن إلى التخلي عن شيء من منهجنا تفاديًا للمواجهة، وفي موقف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من خباب رضي الله عنه وهو يأتيه شاكيًا عند الكعبة تثبيت لتلك السنة في نفوس أصحابه بضرب المثل بما لاقاه أسلافهم من المؤمنين، ثم ثبته بتأكيد نصر الله لهم ولو بعد حين، يقول خباب: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً وَهُوَ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَقَدْ لَقِينَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَدْعُو اللَّهَ فَقَعَدَ وَهُوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ فَقَالَ: [لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ بِمِشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عِظَامِهِ مِنْ لَحْمٍ أَوْ عَصَبٍ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ مَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ زَادَ بَيَانٌ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ] رواه البخاري.

وكذلك خرج بأصحابه مثخنًا بالجراحات يوم أُحد، وذهب منهم سبعون شهيدًا من خيرة الصحابة، وهو عدد ليس بقليل في ذلك الوقت من عمر الدعوة، لقد كانوا عشر جيش المسلمين، فماذا كان من الرسول بعد هذا البلاء المبين ؟

يقول ابن إسحاق:'قدم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد أحد رهط من عضل والقارة فقالوا: يا رسول الله إن فينا إسلامًا فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا في الدين، ويقرئوننا القرآن، ويعلموننا شرائع الإسلام، فبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معهم نفرا من أصحابه' [التهذيب/194] .

ثم كان ما كان من هذيل في يوم الرجيع، إذ قتل وفد رسول الله جميعهم، وكانوا ستة كما عدهم ابن إسحاق.

ثم ماذا ؟ ثم بعث رسول الله أصحاب بئر معونة على رأس أربعة أشهر من أُحد [التهذيب/200] وقتل فيه أربعون صحابيًا من خيار المسلمين غدرًا وخيانة. بلاء على إثر بلاء، ولكن الدعوة مستمرة، والمنهج محفوظ، يختار الله من يشاء من المخلصين إلى جواره، وتبقى بقية القافلة في سيرها إلى الله كما أمرها الله.

5 -مطاردة الفارين بدينهم خارج الحدود:

'فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية، بمكانه من الله، ومن عمه أبى طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه] فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة، وفرارًا إلى الله بدينهم' [التهذيب /72] .

ولكن طغاة قريش لم يطب لهم العيش، وهم يرون أتباع الدعوة، وقد أصابوا دارًا وقرارًا عند ملك الحبشة، فكان ما كان من مؤامرات حتى يخرجوهم من دارهم التي اطمأنوا بها وأمنوا فيها.

وكان من رحمة الله بعباده المؤمنين، ومن حمايته لدعوته وحفظه لها أن رد وفد قريش خائبًا، وجعل للمسلمين من عدل النجاشي ملجأ، وإن لم يكن على دين الإسلام في بادىء الأمر.

وهذه الصورة بكل جوانبها لا تزال تكرر نفسها..يضطهد المسلمون في أرضهم، فيفرون بدينهم منها، ويحاول الطغاة أن يتبعوهم بأذاهم حيث ما كانوا، فتدرك المؤمنين رحمة الله فييسر لهم من الأسباب ما يحفظهم من الأذى.

6-المفاوضات [الإغراءات] المادية:

ولما لم تفلح كل تلك المحاولات مرة أخرى في قتل الدعوة، أو حتى في إيقاف انتشارها الواسع، وعندما قوي أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، واشتد أمرهم بإسلام حمزة وعمر وغيرهما، لجأ الطغاة إلى محاولات لإغراء الرسول بأمور الدنيا، كي يتنازل عن دعوته. ومثال تلك المحاولات: مفاوضة عتبة بن ربيعة أرسلته قريش مندوبًا عنها ليعرض على الرسول الملك والجاه والمال كي يكف عن دعوته.

ولا تزال تلك الوسيلة تستخدم لشلِّ الدعوة وشراء الدعاة، فيتم بذلك احتواءهم وتسييرهم إلى الوجهة التي يراد لهم السير فيها، وكم من داعية لم يسقط بالترهيب والتهذيب سقط بالإغراء والترغيب.

7 -المفاوضات الدينية والسعي وراء التنازلات:

وتمثل تلك المرحلة أخبث وأخطر ما تفتق عنه تخطيط الطغاة ومكرهم. إن أهل الباطل ليس لهم منهج ثابت محدد يلتزمون به، وإنما يدورون مع مصالحهم حيث دارت، ومصلحتهم العظمى كما يرونها في عداء الحق والسعي لإطفاء نور الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت