الحمد لله نحمده ونستعينه ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله أما بعد:
تميل النفوس إلى التجديد والإبداع، وتمل التكرار والوتيرة الواحدة، وهي سنة لله سبحانه وتعالى في الكون كله، فالماء إذا بقي ساكنا لا يتحرك يأسن ويتغير، ولو عقدت مقارنة بين منزل بني منذ عشر سنوات ومنزل فرغ منه الساعة لوجدت بينهما بونا شاسعا، وذلك أن النفس دائما تتطلع إلى التجديد والتغيير.والكتاب يحرص القارئ والمقتني له على أن يقتني الطبعة الجديدة منه، والتي تتميز بإخراج حديث.
وها نحن نرى أعداءنا الذين أصبحنا نستهلك سلعهم يستثمرون هذه الظاهرة في النفوس، فتراهم يطورون في موديلات المنتجات تطويرا في المظهر دون المضمون، ولكن هذا التطوير والتجديد يحظى بقبول الكثير، فيأسر المستهلكين ويشكل هذا الاختيار مطلبا أساسا قد يؤخر المرء قراره بشراء سيارة ما في انتظار مود يل جديد رغبة في التجديد والتنويع.
فالتجديد مطلب للجميع، ومسعى للكافة يتطلعون إليه ويطالبون به، ويقدِّرون إبداع صاحبه حتى ولو كان لا يعدو مجرد المظهر دون المضمون والجوهر.
إذا فإذا كانت النفوس تتطلع إلى التجديد والابتكار فلماذا لا يسلك الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى هذا المسلك؟ولماذا لا يكون التجديد مطلباً لهم فينوعون في أساليبهم وطرقهم ووسائلهم بما يكون محاطا بسياج المنهج، محصورًا في دائرة الشرع، فلا يسوغ أن يسلط التجديد على الثوابت الشرعية فيقضى عليها باسم التجديد والابتكار لكن حين يكون تنويعا وتشويقا فلا بأس، فالنفس تمل وتأس، ونحن نرى في تأريخ الحركة العلمية والفكرية في أمتنا أن الكثير من أسلافنا سلكوا هذا المسلك، فجددوا في التأليف، وجددوا في طرق التدريس، ولعل من يرصد الحركة العلمية والحركة الفكرية على مدى تأريخ الأمة يدرك ذلك واضحا ظاهرا.
وهذه المحاضرة هي محاولة لعرض هذا الموضوع بقدر من التجديد في الأسلوب دون المضمون، وفي طريقة المعالجة دون الأفكار والمنطلقات، وكل الطرق تؤدي إلى مكة.
إننا نطالب الناس دائما بمطالب ملحة تشكل عندنا قضايا أساسية، وعلى قدر حاجتنا لهذه المطالب وعلى قدر شعورنا بأهميتها سيعلو صوتنا فيها، وستتكرر مطالبتنا، وسيتكرر ندائنا، ولن يقف هاجس التكرار عائقاً لنا دون الإلحاح في المطالبة.
إننا أيها الأخوة ونحن نطالب بهذه المطالب الشرعية لسنا بأولى من الدائن الذي يطالب بدينه ويلح ويرفع صوته صباح مساء، إن مطلبنا أعظم وأبعد أثرا من مطلب صاحب الدين، إن مطلبنا هو المطلب الشرعي للناس أن يفيوؤا إلى الله جميعا ، وهي كلمة واحدة إليها ندعو وحولها ندندن ونرفع دائما أصواتنا يمنة ويسرة نطالب بالعودة إلى الله عز وجل، نطالب بالرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، ونطالب بالعمل لهذا الدين والدعوة له، نطالب المسلمين جميعا أن يسيروا معنا في صف واحد وأن يسلكوا معنا القطار، ويخوضوا معنا المعركة في الفكر أولا، والعلم والحجة واللسان، والتي تهيؤ بعد ذلك للملحمة الكبرى في مواجهة الكفر وأهله وقادته.
إن من حقنا أيها الأخوة ونحن نرى أن مطالبنا مشروعة -بل نرى أنها تتصدر قائمة المطالب المشروعة-من حقنا أن نكرر مطالبنا، ومن حقنا أن نرفع أصواتنا، ومن ثم فقد نكرر كلاما كثيرا ولكن سنظل نكرر ونرفع الصوت حتى يستجيب الناس ويفيؤا إلى دين الله سبحانه وتعالى، هذه محاولة لنوع من المطالبة قد لا يكون ثمة جديد في المضمون في حقيقتها فهي حقيقة واحدة حولها ندندن وإليها ندعو لكن التجديد قد يكون في الأسلوب والمظهر.
يدرك أصحاب المبادئ والدعوات أن مبادئهم تتطلب منهم بذلا منقطع النظير وتضحية في النفس والنفيس، ويسعون بكل جهد لابتكار الوسائل والطرق وحشد الجهود لخدمة مبادئهم ومعتقداتهم، فهم يجمعون المال والتبرعات لخدمة دعوتهم ونشر معتقداتهم.
وكم نقرأ في الحديث والقديم أن الطائفة الفلانية جمعت كذا وكذا من المال، أو قررت توفير كذا وكذا لخدمة المبدأ والطائفة، وأحيانا تقام الحفلات والبرامج العامة ليصبح ريعها وقفا على جمعية إنسانية أو نحلة أرضية أو مذهب ضال.
وفي تأريخنا الإسلامي نقرأ في كتب الفقه الكثير عن الأوقاف التي ساهمت مساهمة فعالة في خدمة الحركة العلمية عل مدى تأريخ الأمة، فهذا وقف على المدرسة الحنفية، وهذا وقف على مدرسة شافعية، وهذا وقف على أهل الحديث والمشتغلين به، وهذا وقف للمشتغلين بالسنة ومواجهة البدعة.
إن نظرة عجلى في تأريخ المدارس وفي كتب الفقه تعطينا الدلالة على عمق هذه الظاهرة وأثرها في دفع المسيرة العلمية، ولقد كانت الحركة والنهضة العلمية التي سادت في هذه الأمة على قرون متطاولة تعتمد واعتمادا كبيرًا على هذه الأوقاف.