رئيسي:فكر:الثلاثاء 19 ذو الحجة 1424هـ - 10 فبراير 2004م
يحيط بالأمة مخاطر عظيمة، وبلايا في ميادين شتى، ومن جهات مختلفة، وقد تكون الأحداث وهي قريبة موضع اهتمام وتفاعل، ثم عندما تنقضى؛ نرى أن كثيرًا من الناس ربما انصرف عن مثل هذه القضايا فكرهم، ولم يعد لنفوسهم تأثر أو تعلق، وربما مضوا إلى حياتهم كأن لم يكن شيئًا،ومن هنا نجد أنه من الواجب ألا يكون مثل هذا هو الغالب على أحوالنا .. ردود أفعال مؤقتة، وانفعالات نفسية عارضة، وحيرة وتردد، وهدوء ورجوع بعد كل حدث، وبعد كل قضية.
وهذه بعض الخطوات العملية التي لابد أن نأخذ بها، وقبل الشروع في ذكرها أود أن أبيّن مدى وحدود هذه الخطوات التي نتحدث عنها وفائدتها، فأقول:
أولا: ما أتحدث به يخصنا نحن، فهو يتعلق بي، وبك، وبهذا وذاك، بعيدًا عن الدوائر التي لا نملك الآن أن يكون لنا التغيير الفاعل فيها، وبدلًا من أن نقعد بدون عمل إما بإحباط ويأس، وإما بعدم مبالاة واكتراث، وإما لعدم استشعار للمسؤولية ومعرفة للدور، فمن هنا لابد أن يكون هناك مصارحة ومناصحة تخصنا مباشرة، وتتوجه إلينا بعيدًا عما قد نتعلل بأننا لا نستطيعه، أو لا نحسنه .
الأمر الثاني: التنبيه على أن الانتفاع بالأحداث، والاستفادة من المصائب والمشكلات، لا ينبغي أن يكون مؤقتًا غير دائم، فلا ينبغي أن يكون ظاهريًا غير راجع إلى الأصول والثوابت.
والأمر الثالث: هو أن كثيرًا من الناس ربما ينظر إلى الأمور الكبيرة، ويرى أنه لا قبل له بها، ولا يوجه إلى أمور يستطيع أن يأخذ بها، وأن يعملها، فلعلنا بهذا الحديث أن نسد مثل هذه الثغرة .
الأمر الرابع: 'ألف باء' وألف باء هي حروف الهجاء، والمقصود: أننا نريد أن نبتدئ بالأصول والأركان الأساسية حتى لا يقال: لم نتحدث في هذا ونحن نعرفه؟ فأقول إن كنا نعرفه، فهل نحن قائمون به؟ وهل نحن مداومون عليه؟ وهل نحن متواصون فيما بيننا بالحفاظ عليه؟ كثيرة هي الثغرات، وأوجه القصور التي نقوم بها ونقع فيها، ليس تجاه أمور من التطوعات، بل كثيرًا ما تكون في الفرائض والأركان والواجبات.
ونشرع في ذكر بعض هذه الجوانب، وما ينبغي الأخذ به فيها.
الجانب الأول: الجانب الفكري:ونعني بذلك: جانب التصور والاعتقاد، والمعرفة للحقائق والمبادئ، وصورة ما يحيط بنا في هذه الحياة، كيف نزن الأمور؟ كيف نقوم الأشخاص؟ كيف نتخذ المواقف؟ كيف تتضح لنا الرؤية؟ كيف نعرف أن نأخذ بما هو واجب في مواجهة ما يحل بنا من الخطوب والأحدث، فنقول: لابد لنا من أمور كثيرة منها:
أ- وضوح الرؤية وقوة العصمة:ونعني بذلك أن نكون على بصيرة من ديننا، وقوة في اعتقادنا، ورسوخ في يقيننا، ليس عندنا شك من أمرنا، ليس عندنا حيرة في ثوابتنا، يقول سبحانه:قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [104] وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [105] وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [106] } [سورة يونس] . ثم يأتي النداء من بعد: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ [108] وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [109] } [سورة يونس] .
وهذه الآيات العظيمة فيها بيان هذه الحقيقة المهمة:إن شكك الناس في ثوابتنا وعقائدنا وتصوراتنا، إن كان عند بعضهم حيرة، إن كان غير المسلمين يعارضونها ويخالفونها، إن كانت الأمم والمجتمعات لا تعرفها، ولا تدري ماهيتها، ولا تعتقد بصحتها؛ كل ذلك لا يعنينا: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [104] } [سورة يونس] .
وتثبيت وزيادة توضيح: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } .
ثم زيادة في هذا التثبيت والتوضيح: {وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ} .
أي في كل الأحوال، والاضطرابات، والمخالفات، والمعارضات، ما تزال على نهجك القويم، وتصورك الصحيح، واعتقادك السليم، ويقينك الجازم دون أدنى شيء من هذا التردد .