فهرس الكتاب

الصفحة 2097 من 27345

ومن هنا يأتي هذا الوضوح ليكوّن هو الفيصل الفارق بين المؤمن المعتقد اعتقاد الحق وبين غيره: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ... [42] } [سورة الأنفال] .

وتكون الرؤية واضحة لنا بأن: العاقبة للمتقين، وأن الدائرة على الكافرين ولو بعد حين، لا يتبدل بما تتغير به الأحوال والظروف المحيطة، بل نوقن بهذا يقينًا جازمًا: قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ [57] } [سورة الأنعام] .

فلئن أصيبت الأمة في مرحلة من الزمان بنكبات وهزائم، فلا يعني ذلك أن هذا نهاية المطاف، بل نوقن من خلال هذه الرؤية الواضحة، والقوة الإيمانية الجازمة، أنها إنما هي مراحل وابتلاءات، وأن وراءها بعد ذلك ما يحقق الله به وعده، وينجز لعباده نصره، إذا هم أخذوا بالمهم من إتباع الأوامر واجتناب النواهي، وتغيير الأحوال على وفق مراد الله، وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، ولذلك ليست هناك جولة واحدة، ولا ميدان واحد إذا هزمنا فيه فقد انتهى الأمر، كما رأينا من أحوال بعض الناس، وما في نفوسهم من إحباط ويأس، أو انشغال عن مهمات الأمور، وعن الانشغال بأحوال المسلمين .

ومن هنا نعبّر دائمًا بهذا المعنى، ونقول مع القائل في تعبيره عن استمرارية هذه المواجهات، وأنها ليست في مرحلة، ولا في ميدان واحد:

قطفوا الزهرة قالت من ورائي برعم سوف يثور

قطفوا البرعم قالت غيره ينبني في رحم الجذور

قلعوا الجذر من التربة قالت إنني من أجل هذا اليوم خبأت البذور

كامن ثأري بأعماق الثرى وغدا سوف يرى كل الورى

كيف تأتي صرخة الميلاد من صمت القبور تبرد الشمس ولا تبرد ثارات الزهور

فلابد من اليقين بمواصلة المواجهة بين الحق والباطل، وأنه لابد أن تكون النفوس مهيأة لذلك، وعالمة به من خلال وضوح رؤيتها وفق نهجها واعتقادها، فتظل الجذور إذا بقيت العقائد والمبادئ والتصورات، ومن هنا لابد لنا من إحياء هذه المعاني والتواصي بها .

ثانيا: معرفة الخلل وطريق العمل: أساس فكري لابد من توضيحه، كثيرة هي الأسئلة التي دارت بخواطر الناس ما الذي يجري بنا؟ ولماذا حلّ بنا ما حلّ؟ وما هي الأسباب ونحن أمة الإسلام؟ ولم حلّ ذلك ونحن أتباع محمد صلى الله عليه وسلم؟

لابد أن نوقن بمعرفة هذه الأمور في ضوء كواشف آيات القرآن، وتوضيحات سنة وسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [41] } [سورة الروم] .

هذا تعليل قرآني لابد من التسليم به، ومعرفة أن ما جرى وما يجري إنما هو من أثر فساد الناس، وكثرة الذنوب، ولما وقع ما وقع في يوم أحد، وكان ثقيلًا على النفوس، وفي الناس النبي صلى الله عليه وسلم، وفيهم الصفوة المختارة من أصحابه، فقالوا مقالتهم كما جاء في قوله عز وجل: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ... [165] } [سورة آل عمران] .

لو أننا أخذنا هذا المبدأ بكل صراحة؛ لكان لنا من إصلاح أحوالنا أثر كبير، وتغيير ظاهر، ولذلك يكفينا على سبيل المثال أن نذكر بعض أقوال علمائنا في بيان الآثار المتولدة عن بعض الذنوب والمعاصي من بعض الأفراد، فكيف إذا تعاظم ذلك وكثر، وعمّ وفشا في الأمة إلا من رحم الله .

فكيف بنا لا نلتفت إلى ما نحن فيه من غفلة عظيمة، ومن معاصٍ كثيرة، والله يقول: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ... [11] } [سورة الرعد] .

الجانب الثاني: الجانب العملي:وكما أشرت في مقدمة الحديث، نحن نتحدث في 'ألف باء' في الأصول والأسس ؛ لأنها اعتراها الضعف، وجرى فيها النقص، وكثرت وعظمت فيها الغفلة، فحن في حاجة إلى مراجعتها، ونقول في الجانب العملي، والمقصود به: توجيهات وتذكير بأعمال لابد من الأخذ بها:

وأولها: كثرة الطاعات: فاستنزال النصر يكون بحسن الصلة بالله والتقرب إليه، وإعلان البراء من معاصيه، وهذا أمر مهم ومن هنا نبدأ بهذه الأصول ونذكر المهم والأساسي مما نحتاج إليه فنقول بنداء نوجهه إلى أنفسنا جميعا:

حافظوا على أداء الصلوات وعلى وجه الخصوص فرائض الصلوات:حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [238] } [سورة البقرة] . والنبي صلى الله عليه وسلم قال: [مَا مِنْ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنْ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ] رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت