د. أحمد بن راشد بن سعيّد*
عندما نطق بوش بتعبير (الإسلاميين الفاشيين) استجابت أوتار عبد الرحمن الراشد الذي يحسن التلقي عن أستاذه وملهمه، ويحسن تفسير كلامه وروايته وإعادة إنتاجه. وحدنا الفاشيون في نظر بوش وأولمرت.. وصاحب قناة (العربية) . وحدنا الإرهابيون في نظرهم كما كتب الراشد في (الشرق الأوسط) يومًا في مقال عنوانه:"الحقيقة المؤلمة أن كل الإرهابيين مسلمون".
في غمرة القصف الهمجي الوحشي الذي تعرضت له مدن لبنان وقراه، بأسلحة جورج بوش وقنابله (الذكية) كانت أقلام كتاب المارينز العرب تدافع عن العدوان وتشتم المقاومة وترميها عن قوس واحدة. من أبرز هؤلاء عبد الرحمن الراشد رئيس قناة (العربية) ورئيس تحرير صحيفة (الشرق الأوسط) سابقًا. كان الراشد قد هاجم مرارًا المقاومة الفلسطينية بعيد أسرها الجندي الإسرائيلي (انظر مثلًا مقاله:"لماذا تستنجدون بالعرب قبل أن تسألوهم؟"4 تموز 2006) . ثم هاجم المقاومة اللبنانية ممثلة بحزب الله بعيد أسرها الجنديين الإسرائيليين، وبدء العدوان على لبنان (انظر مثلًا مقالاته:"فرصة العمر التي رفضها السيد"27 تموز 2006، و"أوقفوا الحرب لو سمحتم"6 آب 2006، و"كسبنا الحرب بمليون مهجر"7 آب 2006) .
لم ينتقد الراشد إسرائيل البتة، ولم تحرك ضميره البائس مشاهد القتل والدمار التي وزعتها آلة العدوان الصهيونية في قطاع غزة، وفي لبنان بجنوبه وبقاعه وشماله وعاصمته بيروت. وبالطبع لم يوجه كلمة (عتاب) إلى جورج بوش، ولا غرو، فكيف يمكن لعبد أن يلوم سيده وولي نعمته!
بعيد ما قيل إنه اكتشاف مؤامرة لارتكاب (أكبر مذبحة جوية) على حد التعبير غير المسبوق لقناة (العربية) صرح بوش أن ما حدث"تذكرة قوية بأن هذه الأمة في حالة حرب مع الفاشيين الإسلاميين الذين يستخدمون أي سبيل لتدمير من يحبون الحرية منا من أجل إيذاء أمتنا". استنكر كثير من المسلمين التصريح المتطرف الجديد لبوش والذي يربط ضمنًا بين الإسلام والفاشية، رغم أن الفاشية والنازية لم تربطا قط بالكاثوليكية المسيحية.
كان أول من استخدم تعبير"الفاشيين الإسلاميين"في كتاباته أو على الهواء هو المتطرف اليهودي مايكل سافج، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا الأميركية، ويستخدم اسم عائلة مصطنعًا لأسباب أمنية، وهو مقرب من شبكات مرئية مثل فوكس أو مسموعة مثل دبليو أو آر. أثار تصريح بوش غضب المسلمين الأميركيين، وانتقد نهاد عوض المدير التنفيذي لمجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير) التصريح قائلًا:"إنه من غير المفيد الربط بين الإسلام أو المسلمين والفاشية"، وأضاف:"نحثه (بوش) ونحث غيره من المسؤولين الحكوميين على كبح أنفسهم".
ولم يقتصر انتقاد تصريح بوش على المسلمين (منظمة المؤتمر الإسلامي، ومعظم الحكومات العربية لزمت الصمت، يا للعار) ، بل إن بعض المسيحيين العقلاء انتقدوا كلام بوش، ومن أبرز هؤلاء جون سنتامو، أسقف يورك، وأحد قادة الكنيسة الإنغليكانية البريطانية، الذي قال:"أريد أن يسود هذا المجتمع جو التعايش، ولن نتوصل إلى ذلك بمثل هذه العبارات التي تطلق من مزرعة في تكساس". وحده عبد الرحمن الراشد تلقف العبارة بإعجاب، كعادته مع تصريحات بوش. وحشية أولمرت وبيريس وبوش، لم تحرك ساكنًا في وجدان هذا الكاتب، ولم تدفعه إلى الاحتجاج على دمويتهم وبشاعة إرهابهم و (نازيتهم) و (فاشيتهم) . لكنه وجد في ما قيل إنها مؤامرة لم يكتب لها النجاح (إرهابًا) عز نظيره، بل أيد عبارة بوش في مقال له في (الشرق الأوسط) بعنوان:"بالتأكيد هم فاشيون".
زعم الراشد أن"..هذه المقاربة سليمة، عندما تضعها إلى جانب أدبيات المتطرفين الإسلاميين. وكما حارب الأوروبيون الفاشية والفاشيين بالكلمة والبارود، فإن العالم سيحارب المتطرفين الإسلاميين.. إن وصف مسلم بالإرهابي أمر طبيعي إن كان إرهابيًا.." (13 آب 2006) . لم يصف الراشد جرائم بوش في لبنان بأنها إرهابية ولا حتى عدوانية.
وقد حرصت قناته (العربية) على تبرئة بوش وأولمرت من تهمة العدوان. طوال أيام الحرب كان شريط القناة ينص على وصف العدوان (بالهجوم الإسرائيلي على لبنان) . مجرد هجوم. وهذا أغرب وصف لحرب عدوانية شرسة في التاريخ. فالهجوم عادة يطلق على عمل فردي يتيم ومعزول، ولكن حربًا شاملة جوية وبرية وبحرية يقتل فيها جيش أجنبي عمدًا المدنيين قتلًا وحشيًا بالمئات، ويهجرهم بمئات الآلاف، ويدمر خلالها بلادهم تدميرًا منهجيًا لا يمكن وصفها بهجوم. عندما اشتدت وحشية الغارات الإسرائيلية وطال أمد الحرب غيرت القناة وصف (الهجوم) إلى (العدوان الإسرائيلي على لبنان) لبضع ساعات فقط، ثم خففته وسمته (الاعتداء الإسرائيلي على لبنان) لساعات قليلة أيضًا، لكنها عادت بعد ذلك إلى الوصف الذي اختارته أو اختير لها، وهو (الهجوم الإسرائيلي على لبنان) .