فهرس الكتاب

الصفحة 5368 من 27345

إن قضية التربية في العصر الحديث هي واحدة من أكبر القضايا، وإنها بالنسبة للمسلمين من أكبر التحديات التي تواجه مجتمعهم اليوم بأشد الأخطار بل لعله ليس من المبالغة أو التزيد أن يقال أن أغلب التحديات التي تواجه المجتمع المسلم اليوم هو تلك التبعية لمناهج التربية الغربية، وانحسار منهج التربية الإسلامي إلى عدد قليل من الأقطار. وقد كشف أسلوب النقل أو الاقتباس من البرامج الغربية عن نتائج خطيرة أخرت سير حركة اليقظة الإسلامية وحالت دون قدرة المسلمين على امتلاك إرادتهم، وإقامة مجتمعهم الرباني سنوات طويلة، حتى جاءت النتائج الخطيرة كاشفة عن هذا السر الخفي، عندما وقعت أحداث النكبة والنكسة والسيطرة المثلثة: الاستعمار والصهيونية والماركسية على أجزاء من العالم الإسلامي كرأس جسر لتغريب هذه الأمة وحجبها عن منهجها القرآني الأصيل، والحيلولة بينها وبين اقتعادها مكانها الصحيح الذي تؤهله له مقداراتها وحجمها ومكانها الاستراتيجي، وتفوقها البشري - وامتلاكها للثروة فضلًا عن تاريخها الحافل، وتراثها الضخم، ودورها الواضح في بناء الحضارة البشرية حين قدمت (المنهج العلمي التجريبي) الذي يقوم عليه التقدم المعاصر كله.

ولقد ظنت الأجيال السابقة التي واجهت الاستعمار أن التماسها أساليب الغرب في التربية والتعليم ربما حقق لها القدرة على الوصول إلى ما وصل إليه نم ثقافة وعلم وقوة وتمكين. ولكن ذلك لم يكن إلا وهمًا وخطأ سرعان ما كشفت الوقائع عن فساده، ذلك أن أمة من الأمم لن تستطيع أن تبني نفسها أو تجدد كيانها إلا إذا استمدت ذك من جذورها وأصولها ومصادرها الأولى ومنابعها الحقة التي شكلتها أول الأمر، ومنذ جاء الإسلام وبنى هذه الأمة فكريًا وروحيًا واجتماعيًا وأخلاقيًا. فإن هذه الأمة لن تستطيع أن تجد في أي منهج آخر سبيلها إلى اليقظة والنهضة إذا كرثتها الأحداث. بل إن عدوها الذي انتهز فرصة غفلتها تسيطر عليها لا يمكن بحال أن يقدم لها ما يمكنها نم التحرر نم قبضته.

ولذلك فقد عمد أول ما عمد إلى هدم ثلاث دعائم من كيانها تلك هي: حجب الشريعة الإسلامية في نظام الحدود، وتغيير نظام الاقتصاد بغرض الربا ثم كانت خطته الماكرة في تغيير مناهج التربية والتعليم، وإخراج القرآن والإسلام من هذا البناء الثقافي وتفريغه من روح الإيمان بالله ومنهج التكامل والترابط بين القيم وأخلاقية أسلوب الحياة.

وحشوه بروح المادية والتمرد على الله والثورة على القيم الروحية والخلقية وعبادة الجسد والمادة.

كان هذا هو الخطر الخطير والتحدي الشديد الذي بدأ به النفوذ الغربي تعامله مع المسلمين حين أقام مدارسه ومعاهده وإرسالياته. ثم فرض هذه المناهج على التعليم القومي الذي كان يشرف على إعداده بواسطة رجاله أمثال دانلوب في مصر وضريبة في سوريا والمغرب والعراق من أجل ما أسماه كرومر تلك الأجيال المؤمنة بالغرب المستسلمة له، أولئك المتفرنجين الذين أعدهم ليمتلكوا إرادة النفوذ في مختلف دوائر السياسة والثقافة والتربية والتعليم.

ولقد كانت لتلك الإرساليات (على اختلاف مذاهبها) دورها الخطير في تنشئة أجيال متعددة في العالم الإسلامي تابعت منهج الغرب، وحجبت منهج الإسلام حتى جاءت النتائج بعد أكثر من سبعين عامًا لتدق الأبواب كاشفة عن أثر ذلك الخطر في ذلك التمكن الذي أتيح للصهيونية وللماركسية وللنفوذ الاستعماري على حواشي هذا الوطن وفي قبله الحي: فلسطين والقدس.

يقول هاملتون جب المستشرق الإنجليزي في تصوير أثر منهج التربية الغربية في العالم الإسلامي:

لقد استطاع نشاطنا التعليمي والثقافي عن طريق المدرسة العصرية والصحافة أن يترك في المسلمين ولو من غير وعي منهم أثرًا يجعلهم في مظهرهم العام - (لا دينيين) إلى حد بعيد. ولا ريب أن ذلك خاصة هو اللب المثمر في كل كما تركت محاولات الغرب لحمل العالم الإسلامي على حضارته من آثار.

هذه هي ثمرة خطة الاستعمار عن طريق التبشير بالمدرسة والاستشراق بالفكرة المسمومة، هذه الخطة التي ركزت تركيزًا شديدًا على التعليم: ذلك أن التعليم كان هو المنطلق الحقيقي نخطة الغزو الثقافي وما زال، وسيظل إلى وقت طويل ما لم يتدارك المسئولون المسلمون، هذا الخطر ويعملوا على إيقاف السيطرة الأجنبية الواضحة الأثر على التعليم في مختلف مجالاته ومختلف بيئاته، ذلك أن القول اليوم بتوحيد مناهج التعليم العربية - على ما بها من تبعية وأخطار ومزالق وسموم ما تزال مسيطرة على جوانب كثيرة نم أساليب الدراسات والتعليم - وهو أخطر كثيرًا من الأثر الذي كان يتخذ في كل قطر من الأقطار التي يستعمرها أسلوبًا معينًا نم التعليم يستهدف به.

أولًا: عزل هذا القطر عن أمته العربية، ثم عزله عن العالم الإسلامي كله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت