القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ، ذلك أن كل نبي انقضت معجزته بموته إلا نبينا صلى الله عليه وسلم فما زالت معجزته باقية محفوظة ، متمثلة في كتاب الله عز وجل ، كلام الله المنزل الذي { لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ } ( فصلت الآية: 42 ) ، وقد ذكر الله سبحانه هذه الحقيقة وهي أن القرآن كلام الله في قوله تعالى { وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ } (التوبة: من الآية6) وفي قوله { سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ } (الفتح: من الآية 15) ، فدلت الآيتان على أن القرآن هو كلام الله الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، وأكدت السنة هذه الحقيقة أيضا: فقد روى أحمد و الترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في الموسم على الناس في الموقف فيقول: ( هل من رجل يحملني إلى قومه فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي ) ، وقد أجمع المسلمون على ذلك .
وتضافرت الدلائل العقلية والحسية على تأكيد هذه الحقيقة وتأييدها:
فمن تلك الدلائل ما ثبت من عجز المشركين عن أن يأتوا بآية فضلا عن سورة فضلا عن أن يأتوا بمثله ، وهذا مع توافر هممهم لمعارضة النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته ، وتمكنهم من اللسان العربي ، الذي نزل القرآن به لفظا ونظما ، كل ذلك يدل على أن هذا الكلام ليس بكلام البشر ، وإنما هو كلام رب العالمين .
ومن الدلائل على أن القرآن كلام الله ما اشتمل عليه من الإخبار عن المغيبات ، فما أخبر عن أمر إلا وقع كفلق الصبح ،و لهذا لما هزمت الفرس الروم في بعض معاركها سجل القرآن هذه الهزيمة ، وأخبر بأن الروم سيغلبون الفرس في بضع سنين ، فوقع الأمر كما أخبر ،قال تعالى: { غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ } (الروم:2- 3)
ومن ذلك ما اشتمل عليه القرآن الكريم من الإعجاز العلمي بإخباره عن حقائق علمية ، لم تكتشف إلا بعد أربعة عشرا قرنا ، و من تلك الحقائق ما أثبته القرآن من وجود حاجز مائي يفصل بين الماء المالح والماء العذب لئلا يختلطا ، قال تعالى: { مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ } (الرحمن:19-20 ) . فجاء العلم الحديث فأكد هذه الحقيقة وقررها .
ومن الأدلة أيضا على أن القرآن كلام الله ، ما يجده الإنسان في نفسه من الراحة والطمأنينة عند قراءته لكتاب الله ، وهي راحة وطمأنينة لا يجدها عند قراءة غيره من كلام البشر ، وذلك مصداقا لقول الحق سبحانه وتعالى: { الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } ( الرعد:28) .
ومن الدلائل أيضا ما يحصل من الاستشفاء بالقرآن وطرد الشيطان عند تلاوته ، قال تعالى: { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } ( الإسراء: من الآية82) .
وفي الجملة فالأدلة على أن القرآن كلام الله أكثر من أن نحصيها في هذا المقال ، ونختم بقول الوليد بن المغيرة وكان من سادات المشركين وقد طلب منه أن يقول في القرآن قولا: فقال:"وماذا أقول ؟! فو الله ما من رجل أعلم بالأشعار مني ، ولا أعلم برجز ولا بقصيدة مني ، ولا بأشعار الجن ، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا ووالله إن لقوله الذي يقول حلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وأنه لمثمر أعلاه ، مغدق أسفله ، وإنه ليعلو وما يعلى وإنه ليحطم ما تحته"رواه الحاكم و البيهقي .
هذا هو القرآن كلام الله الذي أعجز البشرية جمعاء في فصاحة نظمه ، وعدالة حكمه ، وصحة خبره ، ولا يزال التحدي به قائما ، ولا يزال عجز البشرية عن مواجهة هذا التحدي قائما أيضًا ، ليظل القرآن حجة الله البالغة أمام خصومه ومنكريه .