فهرس الكتاب

الصفحة 6416 من 27345

الحج ووحدة الصف والهدف ...

يأتي شهر ذي الحجة فيفد المسلمون من أنحاء الأرض إلى الأراضي المقدسة ليؤدوا فريضة الحج وليشهدوا منافع لهم، ومن المعاني التي يبعثها الحج في نفوسهم وحدة الصف والهدف والتعاون والتكامل والتكافل، وكلها من الضرورات الحيوية لأمن الأمة وسلامتها في حاضرها ومستقبلها.

وإذا كان علماء النفس والاجتماع يتفقون على أن من أهم أسباب"تماسك الجماعة"هو"أن تكون الاتجاهات الفكرية لأفرادها موحدة، وتتركز في مبادئ وعقائد عامة يعتنقونها جميعًا"فإن الإسلام يتجاوز هذه الأفكار إلى مبادئ تتميز"بالعمق والأصالة والإحكام":

عقيدة التوحيد

إن التوحيد هو مبدأ الإسلام وجوهره الذي يتغلغل في كيان المؤمن، ويعمر به قلبه ونفسه ووجدانه، وهو ـ في الوقت نفسه ـ"الأساس الأصيل"لوحدة الجماعة الإسلامية، وتماسكها حيث يقول الله تعالى:"قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ" (الأنبياء: آية 108) ،"وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا" (النساء: آية 125) .

وقد فسر الله سبحانه وتعالى معنى التوحيد وإسلام الوجه لله حينما جعل ذروته في شخص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا يقول:"قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ" (الأنعام: 162-163) .

والحج توحيد خالص، فهو تلبية من أول لحظاته، تلبية هي استجابة لله وحده، استجابة كاملة للأمر ونفي الشريك:"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك".

وقد حرص الإسلام على بث روح المساواة بين الناس وجعل المقياس الذي يتفاضلون به أمرًا آخر وراء اختلاف الألوان والألسنة والمواطن ألا وهو"التقوى"كما يقول الله تعالى:"إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (الحجرات: آية 13) ، وكما يقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ"ليس لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود فضل إلا بالتقوى"وهذه المساواة ليست شعارًا فارغ المضمون، ولكنها"مساواة عملية"فقد آخى الإسلام بين عمر بن الخطاب وبلال الحبشي، وصنع من الموالي أمراء وقادة أمثال زيد بن حارثة، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، ولقد فطن المفكرون الغربيون إلى عقيدة التوحيد السامية فقال الفيلسوف برتراند راسل في كتابه"الثقافة والنظام الاجتماعي":"إن الإسلام دين موجه للجماعة، يتوغل في حياة الفرد والمجموع توغلا كاملا"، وقال أرنولد توينبي:"إن عقيدة التوحيد التي جاء بها الإسلام هي أروع الأمثلة على فكرة توحيد العالم وإن في بقاء الإسلام أمل العالم كله".

التضامن والتعاون

وقد بين الله تبارك وتعالى أننا خلقنا للمودة والتعارف فقال:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (الحجرات: آية 13) .

وبذلك جعل الفرد إذا وقف بين يدي الله ناجاه وناداه"باسم الجميع":".إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ"الفاتحة: آية 5، وإذا طلب منه الهداية طلبها للجميع"اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ" (الفاتحة: آية 6) .

ومن أجل هذا الموقف الجماعي في صورة الفرد العابد يحذرنا الخالق جلت قدرته من التفرق فيقول:"وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ" (آل عمران: آية 105) .

وعلى ذلك فإن ائتلاف القلوب والمشاعر واتحاد الغايات والوسائل من أوضح توجيهات الإسلام، وإن كانت كلمة التوحيد باب الإسلام، فإن توحيد الكلمة والتعاون من أجلها سر البقاء والنجاح، تلبية لأمر الله:"تَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ" (سورة المائدة: آية 2) ، ومنهج هذا التعاون هو الاتصال بحبل الله عن طريق الاعتصام، به حيث قال جل شأنه"وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا" (آل عمران: آية 103) ، ثم تتمثل الوحدة والتضامن والتعاون في أرفع صورها في قول الله تعالى:"إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ" (الصف: آية 4) ، وأصل لفظ مرصوص التماسك بعضه ببعض بالرصاص، والمراد متقن كأنه قطعة واحدة، وقال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا". متفق عليه عن أبي موسى ـ رضي الله عنه ـ.

وحدة الصف والهدف قوة ردع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت