ولقد شاءت إرادة الله عز وجل أن تكون الأمة الإسلامية أمة قوية مرهوبة الجانب، فأَمَرها بإعداد القوة والمرابطة على النحو الذي"يوقع الرهبة"في قلوب الأعداء ويخيفهم من عاقبة عدوانهم فقال جل شأنه:"وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ" (الأنفال: آية 60) .
وقد جاء لفظ قوة"مطلقًا بغير تحديد"لكي يرشد إلى أن القوة التي يريدها الإسلام هي"القوة الشاملة"التي تضم كل مصادر القوة كالقوة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمعنوية إلى جانب القوة العسكرية.
هذه المصادر المتعددة للقوة لا يكون لها أثرها وفعاليتها"إلا إذا جمعتها الوحدة"في الأهداف والخطط لتحقيق غاية واحدة، وذلك أول دعائم القوة، ثم يمتد مفهوم القوة تحت ظل الوحدة ليشمل جوانب عديدة من كيان الأمة الإسلامية: فوحدة الأمة الإسلامية كلها قوة، والوحدة والتعاون بين دول الإسلام قوة، والوحدة والتلاحم، بين أبناء الشعب الواحد في كل دولة قوة، والجيوش في ميدان القتال تستمد إرادتها القتالية وروحها المعنوية من وحدة شعوبها ووقوفها صفًا واحدًا وراءها.
والحق أن وحدة الصف والهدف هي في تقدير الإسلام"قوة ردع"تؤدي دورها في ردع الأعداء مع غيرها من مصادر القوة الأخرى، ذلك أن العدو إذا وجد أنه إذا اعتدي على المسلمين فسوف يواجه قوة عسكرية وراءها أمة متحدة متضامنة، وقادرة على مسندتها بكل الوسائل المادية والمعنوية، وعلى تحمل أعباء المعركة مهما طال أمد الصراع، ومهما كانت التضحيات، فإنه سوف يتخلى عن فكرة العدوان أصلا، أو عن الاستمرار في القتال.
شهادة التاريخ
وقد أكد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على فضل الوحدة في الصف والهدف ومكانتها الكبرى في تقدير الإسلام حين جعل الوحدة بين أبناء مجتمع المدينة عقب الهجرة"أساسًا"لبناء ذلك المجتمع وبناء الدولة الإسلامية، فوحد صف الأنصار من أوس وخزرج في ظل الإسلام، وربط المهاجرين بالأنصار برباط الإخاء، وربط بين المسلمين وبين المشركين واليهود من أهل المدينة بمعاهدة نظمت لهم حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية، وجعلتهم جميعًا ـ على اختلاف دينهم ـ"يدًا واحدة"على أعدائهم.
وقد سجل التاريخ أن المدينة كانت"قاعدة وطيدة للإسلام"وجبهة صلبة استطاعت مواجهة أقوى التحديات من عدوان مباشر ومؤامرات وغدر، وقهرت المدينة كل ذلك، وحاربت أكثر من عدو في أكثر من جبهة، فواجهت المشركين واليهود والروم، وحارب المسلمون أغلب معاركهم عدوا أكثر منهم عددًا وعدة، وحاربوا أحيانًا وهم جرحى ومرضى.
وفي غزوة بدر"أول معركة حاسمة"بين المسلمين والمشركين كانت وحدة الصف والهدف من أهم ما عوض النقص في موازين القوى: بينهم وبين المشركين، انظر إلى قول المقداد بن عمرو عن المهاجرين:"يا رسول الله، امضِ لما أمرك الله فنحن معك.."وقول سعد بن معاذ عن الأنصار:"امش لما أردت فنحن معك".
وفي هذه الغزوة خرج المسلمون"وبعدوا عن المدينة"أكثر من 150 كيلو مترًا دون أن يخشوا أن تأتيهم"ضربة من خلف"؛ إذ كانوا مطمئنين إلى أن وراءهم جبهة صلبة وقاعدة وطيدة وأمينة.
فإذا ما نظرنا إلى الجانب الآخر وجدنا أن المشركين دخلوا تلك المعركة يحملون عوامل هزيمتهم، فقد غابت عنهم وحدة الصف والهدف من قبل المعركة، وحل محلها التردد وتضارب الآراء وطغيان الأنانية الفردية على المصلحة العامة، فمنهم من رجع إلى مكة ومنهم من أراد القتال لأهداف جاهلية عبر عنها قول أبي جهل:"والله لا نرجع حتى نرد بدرًا فنقيم عليه ثلاثة ننحر الجذور ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف لنا القيان وتسمع بنا العرب بمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبدًا بعدها".
وتحت أعلام الوحدة سجل المسلمون أعظم انتصاراتهم على مدى التاريخ ضد الصليبيين وضد المغول الذين كانت هزيمتهم على يد قوم عرفوا قدر الوحدة وفضلها.
* المصدر: إسلام أون لاين.نت