فهرس الكتاب

الصفحة 22846 من 27345

طريق القرآن

عملاق من الرجال أجبر ذاكرة التاريخ على المثول أمامه ، لتلتقط علومه الفريدة ، وأعماله الخالدة ، ومصنفاته الباهرة ، والتي أصبحت فيما بعد منارة للعلماء ، ونبعًا ثريًا لرجال الفكر والمعرفة.

ولادته ونشأته:

إنه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ، ولد في آخر سنة 224 هـ أو في مطلع سنة 225 هـ .

وكانت ولادته ( بآمُل ) عاصمة إقليم طبرستان ـ وتقع جنوب بحر قزوين ـ وهو متسع ممتد تشغل الجبال أكثر مساحته ، وتعتبر ( آمُل ) أكبر مدينة في سهله ، وهي كثيرة المياه ، متهدلة الأشجار متنوعة الثمار ، وقد فُتح هذا الإقليم في عهد عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه .

وفي هذه البيئة السهلة اللينة ، المتمردة العاصية ، التي تجمع بين الجبال الشاهقة والسهول المنبسطة ، نشأ محمد بن جرير الطبري ، وما كاد يبلغ السن التي تؤهله للتعليم ، حتى قدمه والده إلى علماء آمل . وشاهدته دروب المدينة ذاهبًا آيبًا يتأبط دواته وقرطاسه .

وسرعان ما تفتح عقله ، وبدت عليه مخايل النبوغ والاجتهاد ، حتى قال عن نفسه:"حفظت القرآن ولي سبع سنين ، وصليت بالناس وأنا ابن ثماني سنين ، وكتبت الحديث وأنا في التاسعة".

وقد رأى أبوه رؤيا في منامه أن ابنه واقف بين يدي الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومعه مخلاة مملوءة بالأحجار ، وهو يرمي بين يدي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقص الأب على مُعَبِّرٍ رؤياه فقال له:"إن ابنك إن كبر نصح في دينه وذبَّ عن شريعة ربه".

رحلته في طلب العلم:

أول رحلة كانت إلى الرَّي فأخذ عن محمد بن حميد الرازي ، ثم رحل به والده بعد سنوات قليلة من تحصيله لبعض العلوم الشرعية وكانت هذه الرحلة إلى بغداد حيث بها إمام أهل السنة والجماعة ، والعالم الذي أطبقت شهرته الآفاق ، أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ إلا أن الأقدار لم تحقق للولد أمنيته فقد مات العالم الجليل قبل أن يصل محمد بن جرير إلى بغداد ، فانصرف عن بغداد ، واتجه إلى البصرة وهي موطن العلم ومهبط القضاء ، فجلس بين يدي علمائها ، وأخذ عن شيوخها كمحمد بن بشار المعروف ببندار ، ومحمد بن الأعلى الصنعاني ، وغيرهم حيث كتب فيها عن إسماعيل بن موسى الفزاري ( توفي سنة 245 هـ ) ، وهناد بن السري الدارمي ( توفي سنة 243 هـ ) ، وأبي كريب محمد بن العلاء الهمذاني ( توفي سنة 248 هـ ) ، ثم انتقل إلى واسط ، ثم الكوفة ، ثم رجع إلى بغداد مرة أخرى ، وكان قد صلب عوده واستقام فكره ، فأقام بها حينًا من الزمان ثم إنه فكر في الرحيل إلى مصر ، فوصل إليها ستة 253 هـ ، وهناك اجتمع بمحمد بن إسحاق بن خزيمة ، العالم المؤرخ ، حيث قرأ عليه كتابه في السيرة ، وأخذ عن شيوخها ، كيونس بن عبد الأعلى ، والربيع بن سليمان صاحب الشافعي ـ رحمهما الله ـ وإسماعيل بن يحيى المزني ، وغيرهم .

وعاد أبو جعفر إلى بغداد بعد رحلة طويلة ، وانقطع للدرس والتأليف

وقد شغله كل ذلك عن أن يتزوج أو أن ينشغل بمطالب الحياة ، فعاش عَزَبًا ـ رحمه الله . يقول الطبري عن نفسه:"ما حللت سراويلي على حرام ولا حلال قط".

نعم …… كان رحمه الله عفيفًا في نفسه منضبطًا في أخلاقه ، وكان يرفض دائمًا هدايا الوزراء والحكام مترفعًا عن قبول نفحات السلاطين.

ويذكر المؤرخون أن الخاقاني لما تقلد الوزارة ، أرسل إلى ابن جرير مالًا كثيرًا فأبى أن يقبله ، فعرض عليه القضاء فامتنع ، فعاتبه أصحابه وقالوا له: لك في هذا ثواب ، وتُحي سنةً قد دَرَسَت ، وطمعوا أن يستجيب لهم ويقبل ولاية المظالم ، فانتهرهم قائلًا:"لقد كنت أظن أني لو رغبت في ذلك لنهيتموني عنه"فخجلنا منه .

وهكذا عاش الطبرى راهبا في محراب العلم والعمل حتى جاءته الوفاة ولا رآد لأمر الله

قال الخطيب:"واجتمع عليه - حال الجنازة - من لا يحصيهم عددًا إلا الله ، وصُلِّي على قبره عدة شهور ليلًا ونهارًا ، ورثاه خلق كثير من أهل الدين والأدب"، وكان ذلك في شوال سنة 310 هـ .

مرتبته العلمية:

كان ابن جرير ـ رحمه الله ـ عالمًا فاضلًا ومفكرًا إسلاميًا جليلًا ،شغف منذ صباه بالعلم ووهبه جُلَّ حياته ، وقصر عليه أيامه ولياليه .

حدث عن نفسه فقال:"جاءني يومًا رجل فسألني عن شيء في علم العروض ، ولم أكن نشطت له قبل ذلك ، فقلت له: إذا كان غدًا فتعال إلىَّ"، وطلب سِفْرَ العروض للخليل بن أحمد ، فجاءوا له به فاستوعبه وأحاط بقواعده وكلياته في ليلة واحدة ، يقول:"فأمسيت غير عروضي ، وأصبحت عروضيًا".

ولكثرة تعمقه في العلوم الشرعية ، صار مجتهدًا في الفقه صاحب مذهب بعد أن كان على مذهب الشافعي ـ رحمه الله .

يقول أبو محمد عبد العزيز بن محمد الطبري ، أحد تلاميذه:"كان أبو جعفر من الفضل والعلم والذكاء والحفظ على ما لا يجهله أحد عرفه ، لأنه جمع من علوم الإسلام ما لا نعلمه اجتمع لأحد من الأمة ، ولا ظهر من كتب المصنفين ، وانتشر من كتب المؤلفين ما انتشر له".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت