ووصفه الخطيب بقوله:"كان إمامًا يُحكم بقوله ، ويرجع إلى رأيه ، وكان عالمًا بأقوال الصحابة والتابعين ، ومن بعدهم من المخالفين في الأحكام ومسائل الحلال والحرام".
وذكر الخطيب في تاريخه أن محمد بن جرير مكث أربعين سنة يكتب كل يوم منها أربعين ورقة .
وقال أبو حامد الإسفراييني"لو سافر رجل إلى الصين حتي يحصل له كتاب تفسير ابن جرير لم يكن ذلك كثيرًا".
وقال عنه الذهبي ـ رحمه الله: كان ثقة حافظًا صادقًا ، رأسًا في التفسير ، إمامًا في الفقه والإجماع والاختلاف ، علامة في التاريخ و أيام الناس ، عارفًا بالقراءات ، واللغة ، وغيرها .
وما ذكرناه غيض من فيض من كلام العلماء وثناءهم على ابن جرير ، وإن كانت كتبه تغنيه عن شهادات الشهود ، وما بقى فيها يدل على أنه كان من أفذاذ الموسوعيين في العالم ، وحسبنا من تواليفه تاريخه وتفسيره .
الطبري وكتابه جامع البيان في تأويل آي القرآن:
قال السيوطي في الإتقان:"وكتابه أجل التفاسير وأعظمها فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض ، والإعراب والاستنباط فهو يفوق بذلك على تفاسير الأقدمين"
أ . هـ .
وقال النووي:"أجمعت الأمة على أنه لم يُصنَّف مثل تفسير الطبري"
وقد حوى ابن جرير جميع تراث التفسير الذي تفرق قبله في كتب صغيرة منذ عصر عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ إلى النصف الأول من القرن الثالث الهجري .
مصادره:
والطابع المميز لتفسير الطبري اعتماده على المأثور عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى آراء الصحابة والتابعين، ثم أضاف إلى التفسير بالمأثور ما عرف في عصره من نحو وبلاغة وشعر ، كما رجع إلى القراءات وتخير منها ورجح ما تخيره ، وعرض كثيرًا من آراء الفقهاء في مناسباتها ، ورجح ما رآه موافقًا للدليل ، وكذلك استعان بكتب التاريخ فنقل عن ابن إسحاق وغيره .
منهجه في التفسير:
1.اتبع طريقة الإسناد في سلاسل الروايات، لذا كان تفسيره سجلًا لما أثر من آراء، وغالبًا ما يلخص الفكرة العامة ... ويعقب عليها بذكر الروايات التي قد تختلف في التفصيل والإيجاز.
2.تجنب التفسير بالرأى. وعقد فصلًا في مقدمة كتابه، ذكر فيه بعض الأخبار التي رويت بالنهى عن القول بالتفسير بالرأي، والتزم هذا الأسلوب في كتابه ... حيث أنحى باللائمة على القول بالرأى ومما يزيد ذلك ما جاء في تفسيره: ( فقائل في تأويل كتاب الله الذى لا يدرك علمه إلا ببيان من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى جعل إليه بيانه، قائل بما لا يعلم وإن وافق قيله ذلك في تأويله ما أراد الله به من معناه، لأن القائل فيه بغير علم قائل على الله ما لا علم له.
3.دقة الإسناد: كان رحمه الله أمينًا دقيقًا في ذكر السند وفي تسجيل أسماء الرواة، لأنه اتصل بكثير من العلماء وسمع منهم، فإذا كان قد سمع هو وغيره قال: حدثنا ... وإذا كان قد سمع وحده قال حدثني ...
وإذا نسي واحدًا من سلسلة الرواية صرَّح بنسيان اسمه.
4.الاستعانة بعلم اللغة: هذا وقد مكنه علمه باللغة وأساليب استعمالها أن يفضل معنىً للكلمة على معنىً آخر تحتمله، ومن ذلك قوله: وقال تعالى: ? تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا ? … [الفرقان:61] يعني بالبروج القصور ... وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: هي قصور في السماء، لأن ذلك في كلام العرب. ومنه ? وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ? … [النساء:78] ومنها قول الأخطل لعنه الله:
كأنها برج رومي يشيده بان بجص وآجر وأحجار
5.الإكثار من الأحاديث النبوية: وكان يكثر من الأحاديث النبوية، لأنه درس الحديث على كبار المحدثين في عصره، وفي مقدمتهم علماء طبرستان.
6.الاستشهاد بالشعر: وكثيرًا ما اعتمد على الشعر في بيان المراد من الكلمة، تارة يذكر اسم الشاعر وأخرى يغفله مكتفيًا بالشعر.
7.تسجيل القراءات: عرض وجوه القراءات ورجح ما ارتضاه لأنه كان عالمًا بالقراءات ومؤلفًا فيها ... وله أيضًا عناية بتفصيل مذاهب النجاة في كثير من المواضع ليجلو المعنى.
8.مناقشة الآراء الفقهية: للطبري كتاب اختلاف الفقهاء ... فهو فقيه دارس للمذاهب كلها، بل ومجتهد صاحب مذهب اختاره لنفسه ... ومن البداهة أن يعرض للآراء الفقهية ويناقشها في مناسباتها من آيات الأحكام ... وينتهي في مناقشة كل منها إلى ما يستصوبه ... وكان يعرض لآراء المتكلمين ويسميهم أهل الجدل ويناقشها ويصوب الرأي السلفي الذي يدين به.
والإدلاء برأيه بعد المناقشة سمة ظاهرة في تفسيره ... فكان يرفض ويعلل لرفضه وكان يرجح ويدلل على ترجيحه ... وكان يؤيد ويبرهن على تأييده.
9.وإذا كان تفسير ابن جرير من أجل التفاسير، بالمأثور وأعظمها قدرًا، فلم سمّى كتابه جامع البيان عن تأويل القرآن؟! ولم يستعمل كلمة تفسير بل تأويل.
والجواب أن التأويل الذى يريده الطبري هو التفسير كما يتضح من خصائص تفسيره،