أحمد فهمي
بعد انقضاء نحو عام على الاحتلال الأميركي للعراق لا تبدو هناك رؤية واضحة أو تحليلا سياسيا شاملا يسد الخلل المعرفي الهائل الذي يكتنف هذه الأزمة ، فقد تداخلت الأطراف وتعقدت ، وأصبح من الصعب تماما تلمس خطا واضحا يمكن البناء عليه للإجابة على أسئلة مثل: من يضرب من ؟ من تتبع المقاومة ؟ من قام بالتفجير ؟ من نفذ الاغتيال ؟ من يضغط على الأميركيين داخل العراق ؟ هل لمرجعيات الشيعة تأثير ؟ أم أن الأميركيين يدَّعون ذلك لغرض ما ؟ هل يسمح الأميركيون ببروز قيادات سنية معارضة لهم على أرض يحتلونها ؟ .. أسئلة كثيرة لا حصر لها ، لا إجابة عليها ، ولعل التفجيرات الأخيرة أو بالأحرى ردود الأفعال تجاهها تكشف هذه الحيرة والتخبط ، مثلا: موقف الرمز الشيعي حسين فضل الله في لبنان ، نجده في تصريحاته يتهم ثلاثة أطراف جملة واحدة بأنهم وراء التفجيرات: الأميركيون ،"عصابات"السلفية"الإرهابية"كما يسميها ، الموساد ، وهو ما يذكرنا بالموقف الأميركي من جماعة أنصار الإسلام قبل الغزو ، حيث اتهمتها بأنها تتمول من ثلاثة أطراف لا رابط بينها: نظام صدام ، إيران ، القاعدة ..
وبغض النظر عن المأزق الأميركي بتأثير الوتيرة شبه الثابتة والكثافة العالية لعمليات المقاومة - وليس بمجرد الخسائر البشرية كما قد يظن البعض - فإننا يمكن أن نعتبر أن هذه الفوضى الماثلة أمامنا في العراق مقصودة من قبل المحتل الأميركي ومخطط لها ، بل هي سمات لازمة للاستعمار الأميركي الذي طور مفهوم الاستعمار وجعله مختلفا تماما عن مفهومه القديم ، وقد تسبب ذلك في إحداث ربكة فكرية وذهنية لدى الكثيرين الذين ارتبط مسمى الاستعمار لديهم بشروط معينة وظروف خاصة لا يزالون ينتظرونها ، بينما المستعمر الأميركي قد ألقى رواحله في بلادنا منذ زمن بعيد ..
لا نريد أن نبعد عن العراق ، والذي نريد قوله هنا أن هناك معلمين بارزين يميزان الاستعمار الأميركي الجديد عن مثيله القديم ، أولهما: ما يتعلق بقضية الإعمار ، حيث يمكن بزيارة أي بلد عربي أو إسلامي أن نرى معالم واضحة للاستعمار القديم ، تتمثل في منشآت أو شركات أو مصانع ، أنشأها لكي يتمكن من استغلال خيرات البلد المحتل ، لكن في المقابل لو زرنا أي بلد عربي أو إسلامي احتله الأميركيون فلن نجد سوى الخراب عنوانا لهم ، وأفغانستان ماثلة أمامنا تحدثنا عما ينتظر العراق ، ومن الأمور التي تبعث على السخرية أن الأميركيين لم يكلفوا أنفسهم حتى عناء بناء مقرات لهم في بلد يتحدثون عن احتلاله لسنوات طويلة قادمة ، واكتفوا باحتلال القصور والفنادق والمطارات ..!
ثانيهما: الاضطراب السياسي وعدم الاستقرار هدف رئيس للمحتل الأميركي ، بخلاف المستعمر القديم الذي كان يسعى لإنعاش الحياة السياسية ، وفي مصر نعمت كثير من الأحزاب السياسية بحرية وانتخابات نزيهة قبل ثورة يوليو إبان الاحتلال البريطاني لم تجدها بعدها ..
أما الأميركيون فيخربون البلد ، ويهدمون أساس الإنسان قبل كيان الدولة ، فقد نفَّذوا حصارا لا مثيل له على العراق لم يُبق لشعبه من معالم الحضارة إلا النذر اليسير ، وقبل ذلك كانوا يتعمدون قصف السدود ومحطات توليد الكهرباء ومحطات تنقية المياه ، والشئ الوحيد الذي لم يقصفوه في حربهم الأخيرة آبار البترول ، وعلى الصعيد السياسي فككوا عرى دولة طائفية عرقية بصورة تجعل من المستحيل في السنوات المقبلة - والله أعلم - أن تلتئم مرة أخرى ، وربما يكون قد انتهى تماما ما كان يُسمى يوما بالعراق ، وكان النظام السياسي الجديد الذي ابتكره الأميركيون هو دولة: اللادولة ، والتي نفذوها بنجاح في أفغانستان التي يتنازع إدارتها الآن عشرات بل مئات الأشخاص ..
دولة اللادولة هذه بدأت إدارة بوش في تأسيسها في العراق قبل الغزو بفترة ، ولها سمات من أهمها:
1-السلطة في العراق مفتتة - وليست مجزأة - إلى حد كبير ، لا أحد يعلم من يملك ومن يحكم ، لا توجد رؤوس محددة بل متعددة ، ومرجعيات عديدة ، والرموز السياسية أكثر من أن تُحصر ، وبعد سنوات طويلة من التنسيق الأميركي مع أعضاء المجلس الانتقالي الذين كانوا يشكلون المعارضة العراقية ، يوجه بريمر اللوم إليهم قائلا: أين قواعدكم الشعبية التي كنتم تحدوثنا عنها ، لماذا لم يظهر تأثيرها حتى الآن ؟ .. يعني هم يتعاملون رسميا مع قادة سياسيين لا شعبية لهم ، بينما يسمحون لآخرين يملكون الشعبية أن يمارسوا تأثيرهم خارج المجلس .. والذي يفتت السلطة هكذا في بلد يحتله ، لا يمكن أبدا الزعم بأنه يريد يوما أن تستقر في يد فئة واحدة أو حزب واحد أو حتى أحزاب متعددة ..