فهرس الكتاب

الصفحة 2257 من 27345

أمريكا وشيعة العراق ونظرية القرد وقطعة الجبن""

أحمد فهمي

بعد انقضاء نحو عام على الاحتلال الأميركي للعراق لا تبدو هناك رؤية واضحة أو تحليلا سياسيا شاملا يسد الخلل المعرفي الهائل الذي يكتنف هذه الأزمة ، فقد تداخلت الأطراف وتعقدت ، وأصبح من الصعب تماما تلمس خطا واضحا يمكن البناء عليه للإجابة على أسئلة مثل: من يضرب من ؟ من تتبع المقاومة ؟ من قام بالتفجير ؟ من نفذ الاغتيال ؟ من يضغط على الأميركيين داخل العراق ؟ هل لمرجعيات الشيعة تأثير ؟ أم أن الأميركيين يدَّعون ذلك لغرض ما ؟ هل يسمح الأميركيون ببروز قيادات سنية معارضة لهم على أرض يحتلونها ؟ .. أسئلة كثيرة لا حصر لها ، لا إجابة عليها ، ولعل التفجيرات الأخيرة أو بالأحرى ردود الأفعال تجاهها تكشف هذه الحيرة والتخبط ، مثلا: موقف الرمز الشيعي حسين فضل الله في لبنان ، نجده في تصريحاته يتهم ثلاثة أطراف جملة واحدة بأنهم وراء التفجيرات: الأميركيون ،"عصابات"السلفية"الإرهابية"كما يسميها ، الموساد ، وهو ما يذكرنا بالموقف الأميركي من جماعة أنصار الإسلام قبل الغزو ، حيث اتهمتها بأنها تتمول من ثلاثة أطراف لا رابط بينها: نظام صدام ، إيران ، القاعدة ..

وبغض النظر عن المأزق الأميركي بتأثير الوتيرة شبه الثابتة والكثافة العالية لعمليات المقاومة - وليس بمجرد الخسائر البشرية كما قد يظن البعض - فإننا يمكن أن نعتبر أن هذه الفوضى الماثلة أمامنا في العراق مقصودة من قبل المحتل الأميركي ومخطط لها ، بل هي سمات لازمة للاستعمار الأميركي الذي طور مفهوم الاستعمار وجعله مختلفا تماما عن مفهومه القديم ، وقد تسبب ذلك في إحداث ربكة فكرية وذهنية لدى الكثيرين الذين ارتبط مسمى الاستعمار لديهم بشروط معينة وظروف خاصة لا يزالون ينتظرونها ، بينما المستعمر الأميركي قد ألقى رواحله في بلادنا منذ زمن بعيد ..

لا نريد أن نبعد عن العراق ، والذي نريد قوله هنا أن هناك معلمين بارزين يميزان الاستعمار الأميركي الجديد عن مثيله القديم ، أولهما: ما يتعلق بقضية الإعمار ، حيث يمكن بزيارة أي بلد عربي أو إسلامي أن نرى معالم واضحة للاستعمار القديم ، تتمثل في منشآت أو شركات أو مصانع ، أنشأها لكي يتمكن من استغلال خيرات البلد المحتل ، لكن في المقابل لو زرنا أي بلد عربي أو إسلامي احتله الأميركيون فلن نجد سوى الخراب عنوانا لهم ، وأفغانستان ماثلة أمامنا تحدثنا عما ينتظر العراق ، ومن الأمور التي تبعث على السخرية أن الأميركيين لم يكلفوا أنفسهم حتى عناء بناء مقرات لهم في بلد يتحدثون عن احتلاله لسنوات طويلة قادمة ، واكتفوا باحتلال القصور والفنادق والمطارات ..!

ثانيهما: الاضطراب السياسي وعدم الاستقرار هدف رئيس للمحتل الأميركي ، بخلاف المستعمر القديم الذي كان يسعى لإنعاش الحياة السياسية ، وفي مصر نعمت كثير من الأحزاب السياسية بحرية وانتخابات نزيهة قبل ثورة يوليو إبان الاحتلال البريطاني لم تجدها بعدها ..

أما الأميركيون فيخربون البلد ، ويهدمون أساس الإنسان قبل كيان الدولة ، فقد نفَّذوا حصارا لا مثيل له على العراق لم يُبق لشعبه من معالم الحضارة إلا النذر اليسير ، وقبل ذلك كانوا يتعمدون قصف السدود ومحطات توليد الكهرباء ومحطات تنقية المياه ، والشئ الوحيد الذي لم يقصفوه في حربهم الأخيرة آبار البترول ، وعلى الصعيد السياسي فككوا عرى دولة طائفية عرقية بصورة تجعل من المستحيل في السنوات المقبلة - والله أعلم - أن تلتئم مرة أخرى ، وربما يكون قد انتهى تماما ما كان يُسمى يوما بالعراق ، وكان النظام السياسي الجديد الذي ابتكره الأميركيون هو دولة: اللادولة ، والتي نفذوها بنجاح في أفغانستان التي يتنازع إدارتها الآن عشرات بل مئات الأشخاص ..

دولة اللادولة هذه بدأت إدارة بوش في تأسيسها في العراق قبل الغزو بفترة ، ولها سمات من أهمها:

1-السلطة في العراق مفتتة - وليست مجزأة - إلى حد كبير ، لا أحد يعلم من يملك ومن يحكم ، لا توجد رؤوس محددة بل متعددة ، ومرجعيات عديدة ، والرموز السياسية أكثر من أن تُحصر ، وبعد سنوات طويلة من التنسيق الأميركي مع أعضاء المجلس الانتقالي الذين كانوا يشكلون المعارضة العراقية ، يوجه بريمر اللوم إليهم قائلا: أين قواعدكم الشعبية التي كنتم تحدوثنا عنها ، لماذا لم يظهر تأثيرها حتى الآن ؟ .. يعني هم يتعاملون رسميا مع قادة سياسيين لا شعبية لهم ، بينما يسمحون لآخرين يملكون الشعبية أن يمارسوا تأثيرهم خارج المجلس .. والذي يفتت السلطة هكذا في بلد يحتله ، لا يمكن أبدا الزعم بأنه يريد يوما أن تستقر في يد فئة واحدة أو حزب واحد أو حتى أحزاب متعددة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت