2-يمكن أن نفسر الأداء الأميركي في العراق بنظرية"القرد وقطعة الجبن"وهي قصة رمزية معروفة ، وهي تعني البدء بميزان مائل بين طرفين أو عدة أطراف ، هذا الميل يحتاج إلى تعديل مستمر يكون مائلا بدوره ، وهذه وضعية جدلية تستوعب الطاقة وتقدم الغطاء الزمني المطلوب ، والميل الأول هنا كان ضد أهل السنة في العراق ، ولو كان الميزان معتدلا منذ البداية لانتهت أزمات كثيرة قبل أن تبدأ ، ولكن الميل الذي حدث تسبب في تنشيط المقاومة ، ومطالبات سياسية وتظلمات وتظاهرات واحتكاكات مع الشيعة ..
ويمكن ملاحظة بعض المؤشرات التي تؤيد ذلك ، فقد صدر من الأميركيين مؤخرا ما يوحي بتغير طفيف في موقفهم من السنة ، وسعيهم لتحقيق مستوى إرضاء أعلى لهم في مقابل حصار المقاومة وتقليل فعاليتها ، وهذا أول تعديل في الميزان المائل ..
والمشكلة هنا تكمن في أن غالبية الشيعة يغفلون عن حقيقة أن الأميركيين يلعبون بهم ، فقد كانت المعارضة الشيعية تمثل ورقة رابحة بيد الأميركيين في عهد صدام ، كان لهم قياداتهم البارزة ، وقواعدهم الشعبية المتلهفة للخلاص ، كما أن مرجعياتهم الدينية لديها القدرة على الحشد الجماهيري الغوغائي ، وهو أمر مطلوب لتحقيق الغطاء الشعبي للاحتلال وإعطاءه صفة التحرير ..
وهذا كله لا يقدمه السنة ولا يملكونه أصلا ، ولما اتخذ قرار الغزو ، كان الشيعة هم المدخل الرئيس للأميركيين إلى العراق ، ولكن بعد الاحتلال بدأت أوراق الشيعة تتقلص نسبيا خاصة مع تزايد مطالبهم وسعيهم لقبض الثمن ، وصدرت من الأميركيين مؤشرات تُبرز تقلص النفوذ الشيعي نسبيا ، فكان اغتيال باقر الحكيم ، ومرت الحادثة دون أي رد فعل أو محاولة واضحة لكشف غموض الحادث ، وكأن الجميع تراضوا على أمر واقع لا نعلمه ، وكما يُتوقع أن تمر تفجيرات كربلاء والكاظمية بنفس السيناريو ويقيد الحادث ضد مجهول ، وأيضا تراجع المجلس الانتقالي عن إقرار قانون 137 المثير للجدل . ثم تراجع السيستاني في مطلب تعجيل الانتخابات تحت غطاء التفاوض مع الإبراهيمي ..
والقاعدة التي غابت عن الشيعة وهم يتعاملون مع إدارة بوش هي:"لا تدخل أبدا في بطن الأميركيين وإلا تحولت إلى فضلات ينبذونها سريعا ، حاول إن استطعت أن تبقى بين أيديهم برَّاقا ، أو ابتعد عنهم طريدا يكون أفضل"، ولكن يبدو أن شيعة العراق يفضلون البطن أو الباطنية دوما ..
والغريب أن تجربة الشيعة الأولى مع الأميركيين هي التي علمتنا هذه القاعدة ، فبعد هزيمة صدام وانسحابه من الكويت ، شجع الأميركيون من طرف خفي كلا من الأكراد والشيعة على التمرد على صدام ، ثم تركوا الجميع في الساحة منفردين ليُنكل بهم ، ثم تباكوا عليهم بعدها وسارعوا إلى فرض منطقة حظر الطيران ، والآن الشيعة هم المدخل - أو الباب - للأميركيين ، ولن يقف المحتل لدى الباب كثيرا إذ سرعان ما يتجاوزه ويلفظه ، أو يدخره لمرحلة أخرى قادمة ، ولا نعتقد أنها بعيدة ، إذ أن الدور الذي يقدمه الأكراد للأميركيين في الضغط على تركيا ، يمكن أن يقدمه الشيعة لكن بطريقة مغايرة للضغط على إيران ، ويمكن تلخيص ذلك في تساؤل مهم: هل يمكن أن يرضى شيعة إيران ومرجعيات قم بنشأة دولة شيعية جديدة في جنوب العراق ، أم سيعتبرون ذلك خطوة عكس الاتجاه ، خاصة مع التنافس بين قم الفارسية والنجف العربية في تبوأ المكانة الأولى في عالم المرجعيات المعقد ؟ .. هذه أمور شائكة نسعى للإجابة عليها في مرة قادمة بإذن الله تعالى ...